Baitalhikma Bezzanou

Baitalhikma
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
شاطر | 
 

 دروس مجزوءة الفلسفة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
bezzanou
Admin


عدد الرسائل: 44
تاريخ التسجيل: 12/03/2009

مُساهمةموضوع: دروس مجزوءة الفلسفة   الخميس 12 مارس - 23:49

مجزوءة الفلسفة


تقديم:إن التعريــــــــــف بحقل ما( العلم، الأسطورة...) كالتعريف بمفهوم ما ( العقل، الحرية...)، يطرح مشاكل عديدة، الأمر الذي يجعل من الأفضل جعل مرحلة التعريف بالفلسفة آخر مرحلة عند مقاربة أحد حقولها و مفاهيمها... غير إنه جرت العادة الأخذ بعمس ذلك.
و تجدر الإشارة، في هذا الصدد، أن كل تعريف للفلسفة هو تعريف مشروط بفلسفة صاحبه، لأن لكل فيلسوف رؤيته الخاصة للإنسان و الحياة و المجتمع و الكون... و هذا ما ذهب إليه " هيدغر " حين قال: " عندما نسأل: ما الفلسفة؟... فالهدف هو أن ندخل الفلسفة، و أن نقيم فيها... " بمعنى أن التساؤل عن الفلسفة يتضمن بالضرورة نشاطا فلسفيا، لا يحوم حول الفلسفة قصد تعريفها، بل يقحم الفكر في حضم الممارسة الفلسفية.
إن التاريخ الإنساني ليس متماثلا في تجاربه و ثقافته و حضاراته انسانية بل لكل عصر ظروفه و شروطه و معطياته الخاصة. بهذا المعنى نفهم ما ذهب إليه " ماركس " حين قال: " الفلسفة هي الخلاصة الروحية لعصرها "، و نفس الشيء قصده " هيغل " حين قال: " أن الفلسفة ما هي إلا تاريخ الفلسفة ". و لهذا لا يمكن" القفز فوق العصور".
إذا كان نشوء الفلسفة، مقرونا بعلم الرياضيات - عند اليونان- فإن كل تحول في مسار العلم المستمر، لا تنتهي فقط إلى تجديد الروح العلمية، بل كل تقدم علمي تكون له انعكاسات على مسار الفكر الفلسفي، ممارسة و تعريفا. بهذا المعنى يمكن الكلام عن ظهور تعريفات جديدة للفلسفة و تأسيس أنياق فلسفية جديدة.
إضافة إلى هذا، فإن المواضيع التي يتعامل معها الفيلسوف، غير ملموسة في الغالب، و هي أفكار و مفاهيم و تصورات مجردة، لذلك يصعب وضعها مع غيرها في إطر تعريفية مستركة.
بدأت الفلسفة عند اليونان، مع الفلاسفة الطبيعيين، بدراسة نشأة الكون و تفسير الطبيعة، و مع " سقراط " تغير مجرى الفلسفة، من دراسة الطبيعة إلى دراسة الإنسان (= الأخلاق، السياسة )، لذلك قيل عنه: " إنه أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض. ". و من بعده أفلاطون، الذي جعلها تستوعب موضوعات عديدة... كما أن الصيغة العامة التي اتسم بها التفكير الفلسفي العربي الإسلامي، في العصر الوسيط، هي التوفيق بين الدين و الفلسفة. أما الفلسفة الحديثة، فإن أهم ما يميزها، هو اهتمامها بمشكلة المعرفة... أما على المستوى المنهجي، فقد اختلف الفلاسفة، بحيث نجد من اعتمد العقل، أو التجربة، أو الحدس، أو الديالكتيك...
و يرجع مصطلح " فلسفة " إلى أصل إغريقي، و هو مركب من من كلمتين/ " فيلو "/ و لها معاني عديدة منها: الميل إلى، و طلب شيء ما،... و أشهرها: المحبة. و " صوفيا ": و التي لها أيضا معاني عديدة منها: المعرفة، العلم، التأمل،..و قابلها في اللغة العربية: الحكمة، و تدل على معرفة من نوع راق، ليس في متناول العامة. و المعنى التركيبي للكلمة هو: " محبة الحكمة " و طلبها و البحث عنها.
و يعتبر " فيتاغورس " أول من نحت مصطلح " فلسفة "، إفصاحا منه عن التواضع الفكري أمام جلال الحكمة و عظمتها و محدودية التجربة الإنسانية بالقياس إلى الحكمة التي هي صفة جذيرة بالآلهة فقط. و كما اقترن اسمه أيضا، بأول تعريف للفلسفة و هو : " محبة الحكمة لذاتها " .
غير أن السؤال المطروح هو:*من أين نبدأ التأريخ للفلسفة؟ * و ما هي شروط ظهور التفكير الفلسفي؟ * و ما مدى مشروعية البدء ب ق.6.ق.م. مع الحضارة اليونانية، في الكلام عن بزوغ الفكر الفلسفي؟ * و كيف تم الانتقال من التفكير الأسطوري إلى التفكير الجديد، الذي هو التفكير الفلسفي؟

المحور الأول: نشأة الفلسفة
[


لقد أجمع الباحثون على أن الشرق القديم ( البابليون، الأشوريون، الصينيون، الفراعنة...)، سبق إلى خلق حضارات مزدهرة، لأنه توصل إلى إحداث صناعات و إقامة فنون و علوم ( الرياضيات: حساب و هندسة )، و فلك و كيمياء... كما أبدى وجهة نظره في الكون و خالقه، و أصل الموجودات و مصيرها، و أفعال الإنسان خيرها و شرها... و هي القضايا التي لازالت تشمل مجالا للدراسة الفلسفية.
كانت الفلسفة اليونانية، كما يرى كثير من المؤرخين، خلقا أصيلا، جاء على غير مثال، لأننا لا نجد في التاريخ القديم، فلسفة بمعنى الكلمة إلا عند اليونان: فعندهم نبتت و نمت و تم تكوينها فيما بين ق.6.ق.م. و ق.4.ق.م. و نحن لا نقصد أن الشرق القديم لم يعرف القضايا الفلسفية الكبرى، إلا أنه لم يعالجها بالعقل و البرهان، بل نظر فيها على نحو نظر الشعراء، و استخدم الشيء الكثير مت الخيال، فصيغت الآراء في قصص و أساطير، و بذلك جاءت أقل نضجا و إحكاما من فلاسفة اليونان.


عدل سابقا من قبل bezzanou في الأحد 29 مارس - 0:07 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://baitalhikma.forumactif.com
bezzanou
Admin


عدد الرسائل: 44
تاريخ التسجيل: 12/03/2009

مُساهمةموضوع: تتمة مجزوءة الفلسفة   السبت 28 مارس - 22:36

نحن نسلم بأن الشـــــرق القديــــم، سبق اليونان إلى أشياء كثيرة، من المعارف و الآراء و الأفكار... و أن اليونان أخذور عنهم، و لكننا نقول إن تلك تلآراء و الأفكار و المعارف...اتخذت عندهم شأنا آخر بالتحليل و البرهنة... و أنهم زادوا عليها أمورا كثيرة.
إذا كان الأمر كذلك، في علاقة الشرق القديم بالحضـــارة الإغريقيـــة، فإننا يمكن القول، بأن الإغريق لم يكونوا مجرد تلاميذ بلداء، يكررون ما أخذوه عن غيرهم، بل تميزوا بالقدرة الفائقة على أن يصنعوا مما أخذوه، سيئا جديدا، يتفق مع ميولاتهم و رؤيتهم للحياة و أسلوب عيشهم... حتى صار من المتعذر أن نحدد بدقة ما يدينون به لحضارات الشرق القديم.
و في سياق الحديث عن بزوغ هذا التفكير الجديد، تفاعلت عوامل عديدة، آلت إلى ميلاده، و من هذه العوامل:
- العامل التاريخي: كان قد تم للأمة اليونانية مقومات وجودها، فيما بين القرنين 15 و 9 ق.م . و ذلك بعد أن تم اندماج القبائل المختلفة التي استقرت في شبه جزيرة " المورة " و انتشرت في " البلقان " و جزر " بحر إيجه " و ساحل " آسيا الصغرى " الغربي و جنوب " إيطاليا " و " صقلية "، و هي المناطق التي أطلق عليها اسم اليونان الكبرى.
-العامل الاقتصادي:لقد كان العمل في ايتخراج المعادن، و اكتشاف الحديد، و تعميم صناعته و صهره في القرن 9.ق.م. بمثابة ثورة اقتصادية كبرى، ساعدت على سرعة تطور المجتمع اليوناني اقتصاديا، إلى جانب التجارة و الزراعة. كما نشطت في المدن الساحلية مثل " ملطية " و " ساموس " صناعة النسيج و المعادن. لقد عرف المجتمع الإغريقي، تطورا اقتصاديا، تمثل في التحول ألى النشـــاط التجـــاري و "الصناعي"، بدل الاعتماد على النشاط الرعوي و الفلاحي. و رافق ذلك ظهور "العملة النقدية". و معلوم أن التعامل بالنقود يساعد على تنامي الفكر التجريدي بالقياس إلى التجارة المعتمدة على المقايضة.
- العامل السياسي: فقد شهدت المدن اليوناية خاصة، ابتداء من ق.6ق.م. تطورات سياسية في غاية الأهمية، إذ لم يعد النظام"الألغارشي" الذي كان يولي الحكم للنبلاء، يناسب التحول الاقتصادي و الاجتماعي، الذي دفع بطبقة جديدة من أغنياء التجارة و الصناعة إلى مركز القوة و السلطان، و جعل نفوذ الأسرة الأرستقراطية النبيلة يتضاءل إلى جانبها، بحيث على المستوى السياسي، تبلورت التجربة الديمقراطية في الحكم، و التي أفقدت الشعب ثقته بحكامه النبلاء إثر هزيمتهم أمام الفرس، لا بل أفقدهم الثقة حتى في "آلهتهم" التي لم تعد تقوم بنفس الدور الناصر للإغريق.فتزعزعت ثقتهم بمعتقداتهم و حكامهم، و طغت موجة تاشك و النقد و الجدل و الحوار... و انتشر الوعي و الحكم الديمقراطي و المعادي لكل قديم، حكما و فكرا و معتقدا. و بلغ هذا الجدل أوجه في ظل التسامح الديمقراطي لوليد. بحيث أصبح من حق كل مواطن من واطني الدولة/المدينة، أن يعبر عن آرائه و مواقفه و تصوراته... في كل القضايا، و يشارك في هذا النقاش و الحوار، في"الأغورا" (الساحة العمومية)، و هو مكان مفتوح لجميع الآراء و الأفكار و الأقوال القائمة على الحجة و البرهان.
- العامل الفكري-الثقافي: في هذا الإطار، أصبحت التصورات الأسطورية الإغريقية، غير قادرة على استيعاب و تفسير المتغيرات الجديدة في المجتمع الإغريقي. و كان لاكتشاف "اللوغوس" أثره في إزاحة"الميتوس". إلا أن الشرط الأساسي في عقلنة الروح و الثقافة اليونانية، لعله يرجع إلى التقدم الذي عرفته المعرفة العلمية، و خاصة في مجال الرياضيات و الفلك. إذ من المعلوم أن جل الحكماء الإغريق، مثل: "طاليس" و "فيثاغورس" ...كانوا رياضيين و فلكيين قبل أن يكونوا فلاسفة.
و هنا تجذر الإشارة، إلى أن الفكر الإغريقي يتميز عن الفكر الشرقي القديم، نوعيا، في الحقل الرياضي، ذلك أن الرياضيات البابلية و الفرعونية... القديمة، كانت سجينة الحواس و المنفعة و الحياة اليومية... بينما عند الإغريق، حصلت طفرة نوعية، تمثلت في أن الرياضيات أصبحت موضوع تفكير علمي، يهتم بالتفسير و التنظير و التعميم و الاستدلال و التجريد بالمعنى العقلي.
غير أن الفكر اليوناني لما كان متحررا من الالتزام بدين سماوي أو كتاب مقدس، فقد أطلق العنان للعقل فرفض الاعتراف بأية سلطة غير سلطة العقل. و في ذلك يقول "هيرقليطس": "دعونا نصغي لحكمة اللوغوس". و هذا التوجه العقلاني يخالف الأسطورة، على مستوى آليات و نظام التفكير. و كما خالفت الفلسفة الأسطورة و أ‘لنت عداءها لها، فإنها اعتبرت المعتقدات الدينية الأسطورية، مجرد أفكار تخص"العامة و الغوغائيين من الناس" ، لا لشيء إلا لأن الفكر الفلسفي يرفض القول بوسيط(الوحي) تعلو سلطته على العقل، الذي هو المصدرالوحيد للمعرفة. و معلوم أنه عندما خطا الإنسان خطواته الأولى على درب العقل، أصبحت كل أشكال التفكير الأخرى لامعقولة، و غير ذات معنى، و لا قيمة لها في المنظور الإغريقي.
لقد رافق التطور الاقتصادي و السياسي... نهضة فكرية عظيمة، أثمرت الفلسفة و العلم و الأدب... و من أسباب هذه النهضة أيضا، تبسيط الأبجدية اليونانية، بحيث أصبحت القراءة و الكتابة ميسورة، و في متناول كل الناس، فكان من نتائج ذلك انتشار المعرفة بين الجمهور، بعد أن كانت حكرا على بعض الناس فقط." لقد كانت السلطة في المدينة مشتركة و مشاعة و وضعت في المركز، كذلك الثقافة مشتركة و مشاعة و وضعت في المركز، و لم تعد امتيازا لبعض العائلات أو بعض الأدباء و المثقفين. نعم إن هذه الإشاعة الديمقراطية للثقافة صارت ممكنة بفضل انتشار الكتابة الأبجدية التي تتيح للمواطنين جميعا تعلم القراءة و الكتابة. و فضلا عن ذلك، فإن المجال كان مفتوحا أمام جميع المواطنين من خلال المشاركة في الحفلات و الحضور في المسارح للاستمتاع بجميع الإبداعات الفنية و الأدبية... لقد ترتب على هذا الاقتران بين إشاعة السلطة و إشاعة الثقافة نتاج كان لها أثر حاسم في تطور الأفكار عند اليونان.
- العامل الجغرافي:نجد العوامل السابقة قد تفاعلت جميعا على أرضية ساعدت على إغناء التجربة الفكرية و الثقافية و إهصابها. فشبه الجزيرة اليونانية، تقع على حافة العالم الغربي، و تطل على البحر المتوسط بين الشرق و الغرب. و هي تتألف من جزر عديدة، تتفاوت في مساحتها و خيراتها و طبيعتها، قد نشأت عليها مدن تكاد تكون دولا صغيرة(الدولة/المدينة)، لكل منها نظامها و قوانينها و تشريعاتها... (أنظر الخريطة في الكتاب المدرسي.ص:16).
إذن،إن الفلسفة تنتمي إلى الثقافة، و لكن بوصفها شكلا أساسيا من أشكال ماضي الفكر البشري، و بوصفها عودة إلى ذلك الماضي. و لعل هذا ما يشير بوضوح إلى الارتباط الأساسي للفلسفة بحاضر الإنسان و تاريخه، أي إلى ضرورتها. و إذا كان الضروري هو ما لا يمكن ألا يكون فلا ضرورة على الإطلاق إلا لما هو أزلي، و ما له بداية و نهاية في الزمان و المكان أن يكون ضروريا ضرورة مطلقة.بحيث إن حدوثه أو نهايته يعنيان أنه يمكن ألا يوجد. فالحال إذن، أن الفلسفة ليست ضرورية ضرورة مطلقة مادامت لها بداية تاريخية.
إن ظهور الفلسفة يمنحها بعدا تاريخيا و يجعلها مرتبطة بهذا البعد.وبالتالي فالفلسفة منتوج ثقافي، أنتجه نشاط الإنسان العقلي، له نشأة في الزمان و المكان. إلا أن الانتقال في الحديث عن هذه النشأة من التحديد المكاني و الجغرافي إلى المكان النظري، و من زمان النشأة إلى زمن الفلسفة الخاص، يعني طرح مسألة بداية الفلسفة و أصلها.
و تجذر الإشارة إلى أن معارف اليونان، في الأسطورة، كانت في مجموعها، قد خزنت في مقطوعات ملحمية كبرى، و حكايات مأثورة، تشمل بالنسبة للإغريق ذاكرة جماعية و موسوعة من المعارف المشتركة. في هذه الأسطورة كان اليوناني يجد كل ما ينبغي عليه معرفته عن الإنسان و عن الآلهة و الأسر و أنسابها و عن العالم و صورته و أصوله...
كما أن فلاسفة اليونان ليسوا منشدين و لا شعراء و لا رواة، و إنما يعبرون عن أنفسهم نثرا و في نصوص مكتوبة لا ترمي إلأى نسج حكاية و إنما تعرض فيها نظرة تشرح فيها بعض الظواهر الطبيعية و انتظام الكون. لذا فالانتقال من الشفوي إلى المكتوب، ومن الأنشودة الشعرية إلى النثر، و من الرواية و السرد إلأى التفسير و الشرح، كان يستجيب لنوع من البحث جديد كل الجدة.
لقد كانت الأسطورة، حكاية و لم تكن حلا لإشكال. إنها تروي مجموعة من الأعمال المنظمة التي كان يقوم بها الملك أو الآلهة، لكن إضافة إلى هذا، يمكن الحديث عن بعض السمات الثابتة، بحيث ليس من قبيل الصدفة أن تظهر الفلسفة و هذا الفكر العقلاني، لأن هذا العقل اليوناني ظهرنتيجة لذلك الشكل من المؤسسات السياسية الذي يدعى" المدينة ". فمع ظهور "المدينة" و لأول مرة في تاريخ الإنسان، أخذت المجموعة البشرية تعتبر أن شؤونها العامة لا يمكن أن تتخذ إلا بعد جدال عمومي متناقض، يساهم فيه الجميع، و تتعارض فيه الخطابات المدعمة بالبراهين و الحجج. فإذا كان الفكر العقلاني قد ظهر في المدن الإغريقية لآسيا الصغرى، مثل "ملطية"، فذلك لأن القواعد المتحكمة في السياسة داخل إطار "المدينة"، أصبحت هي ذاتها القواعد المتحكمة في التفكير، و هذا يقتضي أن مفهوم الجدال و المحاجة التي تقبل باختلاف الآراء و تضاربها يشكلان شرطا أساسيا للعقلانية. فلاعقلانية إلا إذا قبلنا أن جميع الأسئلة و القضايا يمكن أن تكون موضوع جدال مفتوح، عمومي و متناقض.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://baitalhikma.forumactif.com
bezzanou
Admin


عدد الرسائل: 44
تاريخ التسجيل: 12/03/2009

مُساهمةموضوع: تتمة مجزوءة الفلسفة   الأحد 29 مارس - 0:02

إذن، لقد خالفت الفلسفة الأسطورة- ليس من حيث المضمون- بل من حيث طريقة التفكير، فوضعت الأسطورة مع الشعر في خانة واحدة باعتبارهما حقلا خصبا للأوهام و الخيال و العواطف و الأهواء و الميول و الرغبات... الأمر الذي لا يلائم نمط التفكير العقلاني القائم على المنطق و الاستدلال بدل التخمين و التكهن والإيحاء.
و كما خالفت الفلسفة الأسطورة، فقد أعلنت عداءها لها، و اعتبرت المعتقدات الدينية مجرد أفكارتخص العامة من الناس، لأنها ترفض القول بأي وسيط تعلو سلطته على سلطة العقل، الذي هو المصدر الوحيد للمعرفة.
و في ضوء ذلك، نفهم كيف حققت الفلسفة اليونانية - كأسلوب في التفكير- قطيعة مع المنظور الأسطوري- لكنها ليست قطيعة مطلقة- و الرؤية الشعرية للكون ذات الخلفية العاطفية و الوجدانية، لأن العواطف شيء لامعقول. و الفلسفةعلى عكس ذلك، ليست شيئا غير معقول، بل هي التي تدبر شؤون العقل. و هكذا خطا الإنسان الإغريقي خطوة أولى على درب العقل، أصبحت معه أشكال التفكير الأخرى لامعقولة، و غير ذات معنى، و لا قيمة لها في المنظور الإغريقي.
لكن هذا المضمون الأسطوري لم يختف حتى لدى أساطين الفلسفة اليونانية و ممثليها الكبار مثل: أفلاطون و أرسطو...فهذا الأخير مثلا: يعيد دمج الأسطورة في الفلسفة، في كلامه عن الحركة و الزمان و المكان و... و هي أفكار مشبعة بنزعة"إحيائية" أسطورية واضحة.

لكي نعرف ما هي الفلسفة؟ ينبغي أن نفحص ظروف ظهورها، و نتابع الحركة التاريخية التي تكونت بفضلها عندما طرحت في أفق الحضارة اليونانية مسائل جديدة، و أقامت الأدوات الفكرية الكفيلة لحل تلك المسائل، و فتحت بذلك مجالا للتفكير، و رسمت فضاء معرفيا لم يكن موجودا من قبل. و عند محاولة بناء شكل من المعقولية و إرساء نوع من الخطاب، لم يكن موجودا أيضا، بزغت الممارسة الفلسفية و ظهرت شخصية الفيلسوف.
لقد حصل ما حصل في بداية ق.6.ق.م. في مدينة "ملطية" على ضفاف آسيا الصغرى، حيث أقام الأيونيون مستعمرات غنية و مزدهرة، خلال ما يقرب من خمسين سنة تلاحق ثلاثة رجالات هم: "طاليس " و " أنكسمندريس " و " أنكسمنس ". لم تكن أبحاثهم غريبة عن بعضها، بحيث كانوا يشكلون مدرسة واحدة، هذه المدرسة كان هو الصوت المبشر"بالمعجزة" الإغريقية، بحيث يكون العقل قد تجسد في أعمال الملطيين الثلاثة، ليظهر لأول مرة في تلك المدينة على مسرح التاريخ.
* لكن إلى أي حد تشكل أعمالهم - التي لا نعرف عنها إلا النزر القليل – قطيعة حاسمة مع الماضي؟
* بأي معنى يسمح لنا ما حملوه من جديد أن نشعر بأننا ندين لهم بهذا النمط الجديد من التفكير الذي ندعوه فلسفة؟

لكي نقدر مساهماتهم في أصول الفلسفة حق قدرها، علينا أن نبدأ بوضعهم مكانتهم في إطار الحضارة الإغريقية القديمة. و يتعلق الأمر بحضارة تقوم أساسا على الكلام لا على الكتابة. و هكذا كانت المعارف في مجموعها قد خزنت في مقطوعات ملحمية كبرى و حكايات مأثورة. لذا، لا شيء من الخيال سيبقى عند إصحاب "ملطية". و سيسجل اختفاؤه حلول نمط آخر من التفكير. فلم يعد تفسير الظواهر مقتصرا على تحديد اسم أبيها أو أمها، و إقامة سلالتها. و إذا كانت الوقائع الطبيعية تخضع لنظام مضبوط فليس ذلك لأن إلها فرضه ذات صباح، عند انتهاء معركة مع آلهة أخرى. فلكي يصبح النظام معقولا، ينبغي أن ينظر إليه كقانون محايث للطبيعة، ساهر غلى سيرها منذ البداية. فقد غدت الطبيعة، في شكلها الوضعي، تكتسح مجال الواقع في مجموعه. فلا شيء يحصل أو حصل إلا و يجد أساسه و مبدأ تفسيره في الفيزيس. لقد حلت قوة الفيزيس، في دوامها و تنوع تجلياتها، مكان الآلهة القدماء، فأصبحت تتميز هي نفسها بخصائص الألوهية لما تتمتع به من قوة الحياة و ما تقوى عليه من مبدأ التنظيم.
لقد تم تشكيل حقل أبحاث تدرك فيها الطبيعة عن طريق ألفاظ إيجابية وضعية، عامة و مجردة، كالماء و الهواء و التراب و النار و اللامحدود(الأبرون)... لأنها مفاهيم تدل على نظام كوني، يقوم لا على قوة إله جبار و سلطته الملكية، و إنما على عرض صورة العالم أمام الأنظار، مسار الأمور و مجراها بأن نضعها في إطارها المكاني.
في بلاد اليونان، و في ق.6. ق.م. ظهر مفكرون اهتموا بالمبادئ الكامنة وراء الأسياء. و كان يطلق على هؤلاء اسم حكماء الطبيعة. هؤلاء الحكماء الذين اندهشوا من التحولات التي تظرأ على مختلف الأشياء، الأمر الذي دفعهم إلى البحث عن طبيعة تلك المبادئ، بإرجاع التعدد و الكثرة و الاختلاف إلى الواحد الثابت. و كان أول هؤلاء الحكماء طاليس. و هكذا جاءت الحكمة معارضة للأسطورة. و في القرن4.ق.
م. سيتم الانتقال من الحكمة إلى الفلسفة مع سقراط الذي يرجع له الفضل في إرساء أسس التفكير الفلسفي القائم على الحوار و الجدل.
المحور الثاني: محطات من تاريخ تطور الفلسفة

1. الفلسفة الإسلامية: الفلسفة و الدين


إن الصراع الذي ستعرفه بنية الفكر العربي الإسلامي، بين الدين و الفلسفة، لا يتعلق بصراع بين قطبين معرفيين موجودين منذ البداية، بقدر ما يتعلق بصراع بين نمط معرفي سائد: المعرفة النقلية القائمة على المعتقدات الدينية، و نمط المعرفة العقلية الذي ستفرضه التطورات اللاحقة في المجتمع العربي الإسلامي على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي و الثقافي... و من هنا كان لابد أن يواجه هذا النمط المعرفي الجديد من طرف النمط المعرفي الجديد من طرف النمط المعرفي السائد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://baitalhikma.forumactif.com
bezzanou
Admin


عدد الرسائل: 44
تاريخ التسجيل: 12/03/2009

مُساهمةموضوع: تتمة مجزوءة الفلسفة   الخميس 2 أبريل - 23:47

إن الحديث عن ابن رشد، و عن مسألة التوفيق بين الحكمة و الشريعة، لا يكون طبيعيا إلا إذا وضع في إطاره التاريخي أو المناخ الفكري الذي ظهر فيه ابن رشد. لقد كان دخول الفلسفة اليونانية إلى المجتمع الإسلامي - عن طريق الترجمة، في عهد المأمون، بإنشائه " بيت الحكمة" – يعتبر عنصرا دخيلا عليها، غير مألوف فيها، الشيء الذي تولدت عنه ردود أفعال إزاء هذا العنصر الجديد. و وسط هذه المعطيات، كان لابد من للمعجبين بتلك الفلسفة و المتأثرين بها أن يقوموا بأية محاولة للبرهنة أو التأكيد على مشروعيتها في البيئة العربية الإسلامية. و من هنا كان أهم موضوع شغل بال فلاسفة الإسلام، هو محاولة التوفيق بين الدين و الفلسفة.و لقد كان لكل فيلسوف من فلاسفة الإسلام قسط في هذا المجال، كما عولجت هذه المسألة بصور شتى.
أما ابن رشد(520-590 ه)، فقد تناول هذه المسألة في كتابه"فصل المقال..."، الذي حدد فيه المسألة من الناحية النظرية، و فصلها في كتابه"الكشف عن مناهج الأدلة"، كما أفصح عنها في كتابه"تهافت التهافت"، و هو رد على كتاب "تهافت الفلاسفة" الذي حمل فيه الغزالي على الفلسفة و الفلاسفة حملة شعواء، متهما إياهم بالزندق و إشاعة الإلحاد. وقد نالت هذه الحملة العنيفة من الفلسفة و العقل. لذا سيعمل ابن رشد على رد الاعتبارللعقل و الفلسفة التي فقدت قيمتها في المشرق بعد هذا الهجوم، و تجاوز الأخطاء التي وقعت فيها الفلسفة المشرقية.

انتقادات الغزالي: " تهافت التهافت "


إن الهجوم الذي تعرض له الفكر الفلسفي، هو ذلك الذي شنه الغزالي من خلال كتابه " تهافت الفلاسفة ". هذا الكتاب الذي خصصه للرد على الفلاسفة و توضيح تهافت عقيدتهم و تناقض أفكارهم فيما يتعلق بالإلهيات و الطبيعيات.
إذن، يرى الغزالي بأن الفلسفة مرادفة للإلحاد، حيث يقول في كتابه" المنقد من الضلال ": " وجب تكفيرهم( فلاسفة اليونان) و تكفير شيعتهم من المتفلسفة الإسلاميين كابن سينا و الفرابي و غيرهم". لهذا فحملة الغزالي هذه، تستهدف أفلاطون و أرسطو و الفرابي و ابن سينا التلاميذ الشراح.
إن فحص الغزالي لعلوم هؤلاء جعلته يميز بين ما لا يناقض أصول الدين، و بالتالي فلا داعي للنزاع فيه، و بين ما يناقض أصول الدين، ينبغي نقده و الهجوم عليه:
الصنف الأول: الرياضيات و الهندسيات و المنطقيات، هذه العلوم ثابتة لا يختلف فيها خصمان، لأنها لقتتعلق بأصول الدين، و من ناظر أصحاب هذه العلوم فقد جنى على الدين و أدخل الشك في قلوب أصحابه.
الصنف الثاني: العلوم الفلسفية، و هو الذي يدور حوله الخلاف بين الحكمة و الشريعة، فيشمل الإلهيات و الطبيعيات. إن فحص الغزالي لأسس العلمين جعله يتبتن تناقضهما مع الدين. و من المآخذات الكبرى التي سجلها الغزالي عن الفلاسفة، تتمثل في عشرين مسألة: تنقسم إلى قسمين: قسم لا يلائم الإسلام، الشيء الذي اقتضى تكفيرهم فيه، ويشمل ثلاث مسائل و هي: القول بقدم العالم، و معرفة الله للكليات دون الجزئيات، و نفي الحشرالجسدي. أما القسم الثاني، فيتصل بفروع الدين لا بأصوله، وجب تبديعهم فيه، و يشمل سبعة عشر مسألة، أهمها القول بأبدية العالم، العجز عن إثبات الصانع، القول بالاقتران الضروري بين الأسباب و المسببات...
هذه هي المسائل الكبرى التي يدور حولها كتاب الغزالي، الذي كان عاملا من العوامل المؤثرة في تدهور الحركة الفلسفية في المشرق الإسلامي بعد القرن الثاني عشر.
قبل الرد على انتقادات الغزالي، يمكن طرح الموقف الرشدي من الإشكالية من خلال اٌجابة عن السؤال التالي:
* كيف يجب تحديد العلاقة بين الحكمة و الشريعة بشكل يحتفظ بهما معا، و يحتفظ باسقلالهما؟
موقف ابن رشد من العلاقة بين الدين و الفلسفة


لقد انطلق ابن رشد من تصوره المنهجي الجديد للعلاقة بين الحكمة و الشريعة من مبدأ أساسي هو: الفصل بين عالم الغيب و عالم الشهادة،لأن لكل منهما طبيعته الخاصة، التي تختلف عن طبيعة الآخر. هذا الفصل المنهجي كان يريد به إقامة الدليل على خطأ اعتماد قياس الغائب على الشاهد، في معالجة العلاقة بين الدين و الفلسفة، و بالتالي خطأ إدماج كل من الدين في الفلسفة و الفلسفة في الدين، لأن عملية الدمج هذه غير ممكنة، لأنها تضحي بأصول و مبادئ الدين و إما بأصول و مبادئ الفلسفة.
هذا المبدأ القائم على الفصل، هو الذي قاد ابن رشد إلى تأكيد أن للدين مبادئ و أصول خاصة، و أن الفلسفة لها مبادئ و أصول خاصة. و ذلك لإبراز الاختلاف الموجود بين البناءين الديني و الفلسفي. و كنتيجة لهذا، طرح ابن رشد ضرورة قراءة القضايا الدينية داخل الدين و القضايا الفلسفية داخل الفلسفة، أي يجب البحث عن الصدق داخل كل منهما لا خارجهما. و بناء على ذلك، يرى ابن رشد بأنه لا يجوز للفيلسوف نفي و إبطال الأصول و المبادئ التي بني عليها الدين، لأنها محل تسليم ، كما لا يجوز لرجل الدين نفي و إبطال القضايا الفلسفية إلا بعد الاطلاع على أصولها و مبادئها.
أما عن العلاقة بين الحكمة و الشريعة، فإن ابن رشد يؤكد بأن" الحكمة صاحبة الشريعة و الأخت الرضيعة..." و " أن النظر العقلي لا يؤدي إلى مخالفة الشرع، لأن كلاهما يطلب الحق. و الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه و يشهد عليه...". إلا أنه رغم الوفاق الموجود بين الحكمة و الشريعة في نشدان الفضيلة، فإن الفارق الوحيد بينهما يكمن في أن الدين يطلب الفضيلة العملية و ذلك بحمل الإنسان على السلوك الفاضل. أما الفلسفة فإنها تطلب الفضيلة العملية بالمعرفة النظرية التي تدفع صاحبها إلى السلوك الفاضل.
بالإضافة إلى هذا، فإن ابن رشد يرى بأنه إذا نسب رأي إلى الفلسفة و هو مخالف للدين أو رأي إلى الدين و هو مخالف للفلسفة، فإن هذا الرأي مبتدع في الشريعة و خطأ في الحكمة. لهذا يرفض ابن رشد القول الذي يحرم الفلسفة باسم الدين، لأنه قول مبتدع في الدين، و القول الذي يهاجم الدين باسم الفلسفة لأنه قول مبتدع في الفلسفة. و النتيجة التي ينتهي إليها ابن رشد من خلال قراءته للخطابين الديني و الفلسفي، هي أن الدين لا يحرم الفلسفة، وأن الفلسفة لا تهدم و لا تهاجم الدين، لأن كلاهما يطلبان نفس الحقيقة. إلا أن التأكيد الرشدي على عدم تعارض بين الدين و الفلسفة، لا يهدف منه المطابقة بينهما، بل كل ما كان يريده هو الدفاع عن الفلسفة و إثبات شروعيتها و ضرورتها، انطلاقا من الخطاب الديني الإسلامي، لمواجهة رجال الدين المتزمتين، الذين يعتبرون الفلسفة مرادفة للكفر و الإلحاد. و كذا مواجهة الحملة التي شنها الغزالي على الفلسفة و الفلاسفة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://baitalhikma.forumactif.com
bezzanou
Admin


عدد الرسائل: 44
تاريخ التسجيل: 12/03/2009

مُساهمةموضوع: تتمة مجزوءة الفلسفة   الجمعة 3 أبريل - 0:11

* الرد على انتقادات الغزالي: "تهافت التهافت"


هكذا نرى أن ابن رشد، يبرئ ساحة الفلاسفة، و يدافع عن الفلسفة في كتابه " تهافت التهافت "، و الذي يعتبر ردا على " تهافت الفلاسفة " للغزالي، الذي كفر الفلاسفة في المسائل الثلاث. و قد سعى ابن رشدإلى التوفيق في هذه المسائل بين الحكمة و الشريعة:
1. مسألة خلق العالم: لقد شغلت مشكلة قدم العالم و حدوثه بال الفلاسفة، بحيث هناك من يرى أن العالم قديم و هناك من يرى بأنه محدث أي أن العالم خلق من مادة قديمة، و هناك من يرى أنه خلق من عدم محض، كما يثر بذلك القرآن. أما موقف ابن رشد، هو أن العالم من صنع الله، و أن الاختلاف بين الفلاسفة اختلاف في التسمية، و هو اختلاف في الظاهر، أما في الجوهر فهم متفقون على أن العلم من صنع الله وهو علته. لذا لا يمكن تكفير أصحاب القولين، مادام الأساس هو الإيمان بالله الخالق لكل شيء.
2. مسألة علم الله: هناك من يرى أن الله يعلم الجزئيات(أرسطو)، و هناك من يرى أن الله يعلم الجزئيات لكن بعلم كلي(ابن سينا)، كما أن هناك من يرى أن الله لا يعلم الجزئيات(الفارابي).
أما موقف ابن رشد، من هذه المسألة، فرغم أنه كان يدافع عن القول بعدم علم الله للجزئيات، إلا أنه في محاولته التوفيقية هذه، يرى بأن العلم الإلهي لا يمكن القول عنه بأنه كلي أو جزئي، إلا أنه علم غير مجانس لعلمنا، و هو علم كامل، شامل، علمه منزه عن كل الأوصاف، كالكل و الجزء، التي يوصف بها العلم البشري. إذن، فلا دعي للاختلاف في هذه المسألة، و أي اختلاف فهو اختلاف غير منطقي و لا مبررله.
3. مسألة البعث: إن الإشكالية تكمن في فلسفة الميعاد، التي أولت على أوجه كثيرة: فالفلسفة اليونانية تجعله روحا فقط، بينما القرآن يجعله روحا و جسدا. و قد اختلف فلاسفة الإسلام في هذه المسألة.
أما موقف ابن رشد، فهو قوله بالبعث فقط. و هذا ما يتماشى مع جميع الشرائع و الفلسفات. و هذا هو الجوهر الأساس. أما القول بالبعث الروحي أو الجسدي أو هما معا، فإن الأمر متروك للرأي و الاجتهاد.
إذن، إن إثبات وجود الفلسفة و ضرورة البرهان و القياس العقلي، من داخل الشرع، تجعل من هذا الأخير وسيلة لتزكية خطاب الفلسفة و العقل. غير أن ذلك يبرز مسألة عامة ترتبط بالعقلانية العربية الإسلامية، و هي أنها عقلانية دينية، أي أن الدفاع عن الفلسفة قد تم من داخل الشرع و الخطاب الديني.

2. الفلسفة الحديثة: الفلسفة و قواعد المنهج:
ديكارت(1596-1650 م)

" إن الفلسفة كلها شجرة، جذورها الميتافيزيقا، وجذعها العلم الطبيعي، و أغصانها باقي العلوم، و هذه ترجع إلى ثلاثة كبرى، و أعني الطب و الميكانيكا و الأخلاق".
إذن، إن الفلسفة في نظر "ديكارت"، هي العلم الكلي، و هي كذلك، لأنها علم المبادئ أي أعلى ما في العلوم من الحقائق، و هي نظرية و عملية.
و منهج الفلسفة حدس المبادئ البسيطة، و استنباط قضايا جديدة من المبادئ لكي تكون الفلسفة جملة واحدة. و علامة اليقين هو الوضوح و التميز و التسلسل على نحو ما نرى في الرياضيات التي تمضي من البسيط الواضح إلى المركب الغامض بنظام محكم. فهذا المنهج هو المنهج الجديد الوحيد المشروع، لأن العقل واحد، و يسير على نحو واحد في جميع الموضوعات، و يؤلف علما واحدا هو العلم الكلي.
لقد كان منهج "ديكارت" هو، في نهاية المطاف، حصيلة اهتمامه بالرياضيات. و كان "ديكارت"قد أثبت، مدى اتساع نطاق النتائج التي يمكن أن يتوصل إليها هذا المنهج. إذ كان من الممكن، باستخدام المنهج التحليلي، تقديم وصف لخصائص فئات كاملة من المنحنيات عن طريق معادلات بسيطة. و كان ديكارت"يؤمن بأن المنهج الذي أحرز كل هذا النجاح في ميدان الرياضيات، يمكن أن يمتد إلى ميادين أخرى، و بذلك يتيح للباحث أن يصل إلى نوع من اليقين الذي يتوصل إليه في الرياضيات. و كان الهدف من "المقال في المنهج"، هو بيان القواعد و الإرشادات التي ينبغي أن نتبعها لنستخدم ملكاتنا العقلية على الوجه الأكمل.
أما بالنسبة للعقل ذاته، فقد كان "ديكارت"يرى أن الناس جميعا متساوون فيه، و كل ما بيننا من اختلاف هو أن البعض منا يستعملونه أفضل من البعض الآخر. غير أن المنهج كشيء نكتسبه بالممارسة. و هي نقطة يعترف بها "ديكارت" بصورة ضمنية، لأنه لا يريد أن يفرض علينا منهجا، بل يهدف إلى أن يبين لنا كيف استخدم هو ذاته عقله بنجاح. و لقد أعجبته الرياضيات بسبب ما تتسم به استنتاجاتها من يقين، غير أنه لم يكن قد أدرك بعد كيف تستخدم على النحو الصحيح.
و هكذا قرر "ديكارت" أن يرفض كل شيء سبق له أن تعلمه و أرغم على أن يسلم به تسليما. لكن المنطق و الهندسة و الجبر هي وحدها المعارف التي تظل صامدة وسط هذا الرفض الشامل، و من هذه المعارف اهتدى إلى أربع قواعد:
*الأولى:هي ألا أقبل أي شيء سوى الأفكار الواضحة و المتميزة: الشك/البداهة.
*الثانية:هي أن نقسم كل مشكلة إلى أي عدد من الأجزاء يلزم لحلها: التحليل.
*الثالثة:هي أن نسير في تفكيرنا من البسيط إلى المركب، مفترضين وجود ترتيب حيث لا يكون هناك ترتيب بالفعل: التركيب.
*الرابعة: فتدعونا إلى أن نقوم دائما بمراجعات دقيقة لكي نتأكد من أننا لم نغفل شيئا: المراجعة-الإحصاء.
هذا المنهج الذي استخدمه "ديكارت" في تطبيق الجبر على المشكلات الهندسية، أتاح له أن يخترع ما نطلق عليه اسم الهندسة التحليلية.
و يؤدي منهج "ديكارت"، حين يطبق على الميتافيزيقا، إلى الشك المنهجي. فشهادة الحواس غير مؤكدة و لابد من الشك فيها، بل إن الرياضيات ذاتها، رغم كونها أقل تعرضا للشك، ينبغي الارتياب فيها، لأن من الجائز أن قوة ذات قدرة هائلة تقودنا عمدا في طريق الضلال. و بعد هذا كله، يظل الشيء الوحيد الذي يتحتم على المتشكك أن يعترف به هو تشككه ذاته. و هذا هو أساس صيغة "ديكارت" الأساسية:أنا أفكر إذن أنا موجود". و أهم ما في فلسفة "ديكارت"هو طريقة الشك المنهجي، هذه الطريقة، من حيث هي أسلوب إجرائي تؤدي إلى الشك الشامل.

[
3.الفلسفة المعاصرة: الفلسفة و العلم:
برتراند راسل:

هناك طرح مغلوط يقوم على اعتبار تطور كل من الفلسفة و العلم تم في استقلال بعضهما عن بعض، و بمنأى عن كل تبادل و تأثير، و ارتباط بينهما. هذا الاعتقاد هو ما يمكن وسمه بالتصور التقليدي لعلاقة العلم بالفلسفة، الذي أشاعته النظرة الوضعية مع "أوغست كونت"، عندما اعتبرت قانون الحالات الثلاث، الفلسفة مرحلة غير علمية و سابقة على العلم، و اعتبر هذا الأخير نهاية الأسطورة و الفلسفة، و بداية نوع جديد من التعامل بين الفكر و الواقع، فحيثما تنتهي الفلسفة يبدأ العلم.
كما نجد لدى الفلاسفة المناوئين للوضعية و العلم، الدفاع عن خصوصية الفلسفة و خصوصية قضاياها كميدان و منهج يتجاوز الحدود الضيقة التي يسجنها فيها العلم. إن العلم في نظرهم لا يقدم نتائج على نجاحه بل على فشله فيصبح مناسبة للتأمل الفلسفي، و تصبح نتائجه تلك، باعثا على نشدان الحقيقة في الميتافيزيقا، أي مناسبة لدعم بعض الدعاوى الميتافيزيقية. و مع هذا الصنف من الفلاسفة تبدأ حيثما يعلن العلم فشله و حيثما يكتشف حدوده.
كيفما كان الحال، مع هؤلاء و أولئك، نحن أمام طرح لا جدلي لعلاقة العلم بالفلسفة، و هذا يقتضي النظر إلى فلسفة ما في ارتباط بعلم عصرها، من حيث هي استجابة له، لأن كل تجديد أو نشأة أو تحول يعرفه العلم يكون له صدى على الفكر الفلسفي المعاصر له، فبتأثير من تحولات العلم في فترة ما يريد الفكر الفلسفي إعادة النظر في أسسه بإدخال نتائج العلم و احتوائها من طرف بنية المذهب الفلسفي لتصبح دلالة على صحته و وسائل دعم للنسق الفلسفي.
نقصد أيضا، ضرورة النظر إلى العلم، علم فترة ما، في ارتباط بفلسفة عصره أو بالفلسفة عامة، لأن العلماء، في محاولاتهم فهم الممارسة العلمية و التفلسف فيها، يلجأون إلى الفلسفة، و ذلك بطرح أفكار عامة حول العلم و طبيعة المعرفة العلمية...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://baitalhikma.forumactif.com
bezzanou
Admin


عدد الرسائل: 44
تاريخ التسجيل: 12/03/2009

مُساهمةموضوع: تتمة مجزوءة الفلسفة   الجمعة 3 أبريل - 0:46

عندما نتحدث عن حضور العلم في الفلسفة، و بحث الفيلسوف في علم عصره، عما يدعم نسقه الفلسفي و يبرره، مما يجعل هذا الأخير يستجيب لذلك العلم و يحتوي نتائجه، عندما نتحدث عن ذلك يكون لكلامنا معنى.
و في هذا الصدد يقول " لوي ألتوسير ":
" من أجل أن توجد الفلسفة أو أن تعاود الظهور من جديد ينبغي أن توجد العلوم. و لهذا فإن الفلسفة بالمعنى الدقيق للكلمة لم تبدأ إلا مع افلاطون نتيجة وجود الرياضيات الإغريقية و التي انتقلت مع ديكارت نتيجة ثورته الحديثة التي كانت وراءها الفيزياء الغاليلية و التي أعيد تأسيسها من جديد مع كانط تحت تأثير الاكتشاف النيوتوني... إن هيغل لم يكن على خطأ حينما قال بأن الفلسفة تقوم في المساء حينما يولد العلم في الصباح، و يكون قد قطع زمن يوم طويل، و حول العلم الذي يتسبب في ميلاد الفلسفة في شكلها الأول أو في انبعاثها من جديد في ثوراتها، تكون الفلسفة دائما متأخرة بأيام طويلة قد تدوم سنوات، عشرين سنة أو نصف قرن أو قرنا كاملا...".
إذن، ينبغي أن نخلص من كل هذا بأن التدبير الفلسفي هو جزء من عمل التدبير العلمي، كل عمل من هذين العلمين يدين للآخر.
المحور الثالث : منطق الفلسفة

إن تعريف الفلسفة، ملازم للدرس الفلسفي، و لروح التفكير الفلسفي، كممارسة فكرية متميزة، إذ ما من فيلسوف إلا و طرح على نفسه هذا السؤال:" ما الفلسفة؟ " و هو سؤال فلسفي، و تعريفها تعتبر قضية فلسفية.
و إذا كنا لا نستطيع تعريف الفلسفة تعريفا "جامعا مانعا"، فإننا نستطيع أن نعرف هذا الصنف من التفكير، من خلال مجموعة من الخصائص، انطلاقا من تاريخ الفلسفة.

*هل تعدد الأنساق و الموضوعات و المناهج الفلسفية...يحول دون الإلمام" بحقيقة الفلسفة "؟
* أليست هناك خصائص مشتركة بين الفلاسفة و الفلسفات التي عرفها الإنسان عبر التاريخ؟
*و هل يمكن الحديث عن مميزات تخص الروح الفلسفية؟
* و ما الذي يميز الخطاب الفلسفي عن أصناف التفكير الأخرى؟

φ التساؤل المستمر: * بأي معنى يكون الفكر الفلسفي متسما بالتساؤل المستمر؟
تضع الفلسفة كل شيء/ موضوع كيفما كان، محل تساؤل، بحيث تنطلق من أسئلة، و كل سؤال فيها يفتح أكثر من نافدة على قضايا متعددة. و هذا التقليد الفلسفي، يرجع فيه الفضل إلى" سقراط "، صاحب القولة المشهورة التي تعتبر بحق مفتاحا لكل فكر فلسفي: " لا أعرف إلا شيئا واحدا، و هو أنني لا أعرف أي شيء" . و كان المنهج السقراطي، يقوم على مبدأين هما:
و هو الجدل الذي يتطلب « dialectica »، لنلاحظ أن الكلمة مشتقة من:« Dialogue »- الحوار:
شخصين أو أكثر يتناقضان في الفكر، و يتجادلان قصد الإقناع و ينتهيان إلى نتيجة. و التناقض في أفكار المتخاطبين هو ما يحرك الحوار كما لاحظ" أفلاطون ".
، « Interrogation » لنلاحظ كذلك أن الكلمة في معناها الاشتقاقي تعني « IRONIE »التهكم:- -
أي فعل السؤال. إن هذين المبدأين هما ما يشكل المنهج التوليدي( المايوتيك) لدى " سقراط ".و إذا كان هذا الأخير، يتساءل من منطق الاعتراف بالجهل و السعي وراء الحقيقة، ردا على السفسطائيين، فما الفائدة من الاعتراف بالجهل إذا كان لا يقدمنا خطوة إلى الأمام، نحو المعرفة على اعتبار أن الفلسفة بحث دائم عن الحقيقة، و ليس امتلاكا لها؟
لقد قدم لنا الفلاسفة أنفسهم جوابا على هذا السؤال. فادعاء العلم أو امتلاك العلم الخاطئ، قد يكون في حد ذاته أخطر من الاعتراف بالجهل. إن الاعتراف بالجهل هو أول خطوة سيكولوجية ( التواضع السقراطي ) و إبستيمولوجية ( الانطلاق من الطاولة الممسوحة لدى ديكارت ) نحو المعرفة. فالتساؤل هو شرط التفلسف، و هو ميزة الإنسان.
" فالإنسان حيوان ميتافيزيقي " كما يرى " شوبنهاور" و الميتافيزيقا لا نشرع فيها بصفة اختيارية، أو بصفة شخصية، بل تدفعنا إليها طبيعة العقل الإنساني نفسه" كما يلاحظ " كانط ". و أخيرا، فلأن " الفلسفة هي التي تميزنا عن الأقوام المتوحشين " ، كما يرى " ديكارت "، الذي لاحظ بأن" من الخير أن تكون لنا عينان مغمضتان من أن نعيش بدون تفلسف" .
إن الفلسفة لا تعطي الجواب النهائي، لأن الجواب النهائي نهاية للفلسفة ذاتها، بل نهاية لكل تفكير. إن الفلسفة إذن، لا تعطي الجواب، و إنما توضح السؤال، لأن مهمة وضع السؤال الدقيق و الواضح، و الجواب عنه بدقة و وضوح، هو من مهمة العالم. لكن السؤال الأكبر، السؤال الذي يقتحم المجهول دون أن يخشاه، هو من مهمة الفيلسوف. و الفيلسوف يبدأ من الصفر ليضع الكل موضع السؤال. و مادام الخطاب الفلسفي، فكر إشكالي، فهو ينطلق من أسئلة، كل سؤال فيها ينفتح على أكثر من نافدة، على قضايا عديدة. غير أنه ليس كل تساؤل أو كل من تساءل فهو فيلسوف. و عن السؤال يقول "راسل ": " إن الفلسفة تستحق أن تدرس ليس من أجل أن نجد فيها أجوبة دقيقة عن الأسئلة التي تطرحها... بل بسبب قيمة الأسئلة ذاتها. إن الأسئلة الفلسفية تعمل على توسيع تصورنا للممكن، و تثري خيالنا العقلي، و تقلل ثقتنا الدوغمائية التي تغلق الفكر و تسد عليه منافذ كل تأمل...".
ليس في الفلسفة إجماع يتم بمقتضاه إقامة معرفة نهائية... إن جوهر الفلسفة هو البحث عن الحقيقة لا في امتلاكها... إن الاشتغال بالفلسفة معناه المضي في الطريق، و الأسئلة الفلسفية أكثر أهمية من الأجوبة، فكل جواب يصبح بدوره سؤالا جديدا"
"ياسيرز ".
φ العقلانيــــة: يتفق المؤرخون للفلسفة على أنها نشأت في بدايتها على إثر طرح الحكيم اليوناني الملطي، في ق.6.ق.م.، سؤالا عاما هو: ما أصل الوجود؟ و كذلك فعل تلامذته و اللاحقون عليه، إذ لم يقتنع الفلاسفة الأوائل بالوجود كما هو، و لم يطمئنوا إلى تفسيرات الأساطير، بل تساءلوا عن الوجود تساؤلا عقليا، و برروا إجاباتهم تبريرا عقليا، منسجما مع تصوراتهم الفكرية. و هذا العقل بدوره هو ثاني محدد للفكر الفلسفي.
لقد اعتد اليونان بالعقل، و استعملوه- تقريبا- في نفس المواضيع التي اهتم بها الشرقيون القدامى، لكن اليونان، ساروا بالعقل إلى أقصى حد. و في هذا الصدد يقول" أفلاطون":
:" علينا أن نساير العقل إلى حيث يذهب بنا" ، و يدعونا " هرقليطس " إلى الإصغاء لحكمة اللوغوس.
و في كلمة واحدة، فإن روعة اليونان، تظهر في التحول من الميتوس إلى اللوغوس.
ألم يدشن" ديكارت"
نفسه الفلسفة من جديد، في العصر الحديث، البحث العقلي المجرد، و المتحرر من كل سلطة دينية أو سياسية أو فكرية...؟
لقد تساءل " ديكارت" عن كل شيء لما شك في كل شيء، لاغيا معارفه السابقة و يقينياته الموروثة. و لم يكن له أن يحقق ذلك لولا الشك المنهجي.
نستطيع القول، بأن التفكير الفلسفي، تفكير عقلاني بالمعنى الذي يجعل منه تفكيرا تأمليا. و " التأمل كفعالية عقلية عليا غير منفصلة عن فعاليات التفكير و التنظير و التجريد و التركيب و النقد... و التأمل في الفلسفة ارتبط بالتنظيم و الانسجام و الوعي و التفكير المنهجي، بل و المنطقي".
تغدو الفلسفة إذن، هي علم العقل، و المعرفة التي أداتها العقل، و غايتها إدراك تطور العقل عبر التاريخ و داخل أنساق الفلسفة. هكذا يعرفها " كانط " بأنها:
" معرفة عقلية نظرية من نوع خاص تسمو كليا فوق تعاليم التجربة، معتمدة فقط على مجرد التصورات، و نتيجة لذلك يكون العقل فيها تلميذا لنفسه".
لهذا فالفلسفة كفكر عقلاني، لا تقنع بمسلمات الدين، و لا بضمانات التجربة الحسية، و إنما ترتكز على مبادئ العقل كقواعد منطقية للاستدلال، و التي لا يمكن تصور العقل بدونها. و الفيلسوف كيفما كان اتجاهه، يفكر تفكيرا منظما، خاضعا للمنطق، حيث ينطلق من مقدمات يعتبرها صحيحة عقليا، ليصل إلى نتائج مستخلصة من تلك المقدمات بشكل صارم.

φ الشموليـــــة: (= الكلية )، و تعني أن الفلسفة علم شمولي، لاتخصصي، كلي لاجزئي، أي أنها علم بالموجودات لا بتفاصيلها، بعمومها لا بجزئياتها، بأصولها و مبادئها، لا بظواهرها المحدودة و الملموسة. لذلك عرفها" أرسطو "بأنها " العلم التأملي بالمبادئ و العلل الأولى للموجودات" . إن الشمولية تعني م جهة أخرى، نزعة الفيلسوف إلى تناول معظم القضايا و الميادين التي تبدو من اختصاص مفكرين آخرين: السياسة، الأخلاق، الأدب، الدين، العلم... و هذا مثال على كليتها و شموليتها: إذا كان الرجل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://baitalhikma.forumactif.com
bezzanou
Admin


عدد الرسائل: 44
تاريخ التسجيل: 12/03/2009

مُساهمةموضوع: رد: دروس مجزوءة الفلسفة   الثلاثاء 7 يونيو - 21:54

bezzanou كتب:
عندما نتحدث عن حضور العلم في الفلسفة، و بحث الفيلسوف في علم عصره، عما يدعم نسقه الفلسفي و يبرره، مما يجعل هذا الأخير يستجيب لذلك العلم و يحتوي نتائجه، عندما نتحدث عن ذلك يكون لكلامنا معنى.
و في هذا الصدد يقول " لوي ألتوسير ":
" من أجل أن توجد الفلسفة أو أن تعاود الظهور من جديد ينبغي أن توجد العلوم. و لهذا فإن الفلسفة بالمعنى الدقيق للكلمة لم تبدأ إلا مع افلاطون نتيجة وجود الرياضيات الإغريقية و التي انتقلت مع ديكارت نتيجة ثورته الحديثة التي كانت وراءها الفيزياء الغاليلية و التي أعيد تأسيسها من جديد مع كانط تحت تأثير الاكتشاف النيوتوني... إن هيغل لم يكن على خطأ حينما قال بأن الفلسفة تقوم في المساء حينما يولد العلم في الصباح، و يكون قد قطع زمن يوم طويل، و حول العلم الذي يتسبب في ميلاد الفلسفة في شكلها الأول أو في انبعاثها من جديد في ثوراتها، تكون الفلسفة دائما متأخرة بأيام طويلة قد تدوم سنوات، عشرين سنة أو نصف قرن أو قرنا كاملا...".
إذن، ينبغي أن نخلص من كل هذا بأن التدبير الفلسفي هو جزء من عمل التدبير العلمي، كل عمل من هذين العلمين يدين للآخر.
المحور الثالث : منطق الفلسفة
إن تعريف الفلسفة، ملازم للدرس الفلسفي، و لروح التفكير الفلسفي، كممارسة فكرية متميزة، إذ ما من فيلسوف إلا و طرح على نفسه هذا السؤال:" ما الفلسفة؟ " و هو سؤال فلسفي، و تعريفها تعتبر قضية فلسفية.
و إذا كنا لا نستطيع تعريف الفلسفة تعريفا "جامعا مانعا"، فإننا نستطيع أن نعرف هذا الصنف من التفكير، من خلال مجموعة من الخصائص، انطلاقا من تاريخ الفلسفة.

*هل تعدد الأنساق و الموضوعات و المناهج الفلسفية...يحول دون الإلمام" بحقيقة الفلسفة "؟
* أليست هناك خصائص مشتركة بين الفلاسفة و الفلسفات التي عرفها الإنسان عبر التاريخ؟
*و هل يمكن الحديث عن مميزات تخص الروح الفلسفية؟
* و ما الذي يميز الخطاب الفلسفي عن أصناف التفكير الأخرى؟

φ التساؤل المستمر: * بأي معنى يكون الفكر الفلسفي متسما بالتساؤل المستمر؟
تضع الفلسفة كل شيء/ موضوع كيفما كان، محل تساؤل، بحيث تنطلق من أسئلة، و كل سؤال فيها يفتح أكثر من نافدة على قضايا متعددة. و هذا التقليد الفلسفي، يرجع فيه الفضل إلى" سقراط "، صاحب القولة المشهورة التي تعتبر بحق مفتاحا لكل فكر فلسفي: " لا أعرف إلا شيئا واحدا، و هو أنني لا أعرف أي شيء" . و كان المنهج السقراطي، يقوم على مبدأين هما:
و هو الجدل الذي يتطلب « dialectica »، لنلاحظ أن الكلمة مشتقة من:« Dialogue »- الحوار:
شخصين أو أكثر يتناقضان في الفكر، و يتجادلان قصد الإقناع و ينتهيان إلى نتيجة. و التناقض في أفكار المتخاطبين هو ما يحرك الحوار كما لاحظ" أفلاطون ".
، « Interrogation » لنلاحظ كذلك أن الكلمة في معناها الاشتقاقي تعني « IRONIE »التهكم:- -
أي فعل السؤال. إن هذين المبدأين هما ما يشكل المنهج التوليدي( المايوتيك) لدى " سقراط ".و إذا كان هذا الأخير، يتساءل من منطق الاعتراف بالجهل و السعي وراء الحقيقة، ردا على السفسطائيين، فما الفائدة من الاعتراف بالجهل إذا كان لا يقدمنا خطوة إلى الأمام، نحو المعرفة على اعتبار أن الفلسفة بحث دائم عن الحقيقة، و ليس امتلاكا لها؟
لقد قدم لنا الفلاسفة أنفسهم جوابا على هذا السؤال. فادعاء العلم أو امتلاك العلم الخاطئ، قد يكون في حد ذاته أخطر من الاعتراف بالجهل. إن الاعتراف بالجهل هو أول خطوة سيكولوجية ( التواضع السقراطي ) و إبستيمولوجية ( الانطلاق من الطاولة الممسوحة لدى ديكارت ) نحو المعرفة. فالتساؤل هو شرط التفلسف، و هو ميزة الإنسان.
" فالإنسان حيوان ميتافيزيقي " كما يرى " شوبنهاور" و الميتافيزيقا لا نشرع فيها بصفة اختيارية، أو بصفة شخصية، بل تدفعنا إليها طبيعة العقل الإنساني نفسه" كما يلاحظ " كانط ". و أخيرا، فلأن " الفلسفة هي التي تميزنا عن الأقوام المتوحشين " ، كما يرى " ديكارت "، الذي لاحظ بأن" من الخير أن تكون لنا عينان مغمضتان من أن نعيش بدون تفلسف" .
إن الفلسفة لا تعطي الجواب النهائي، لأن الجواب النهائي نهاية للفلسفة ذاتها، بل نهاية لكل تفكير. إن الفلسفة إذن، لا تعطي الجواب، و إنما توضح السؤال، لأن مهمة وضع السؤال الدقيق و الواضح، و الجواب عنه بدقة و وضوح، هو من مهمة العالم. لكن السؤال الأكبر، السؤال الذي يقتحم المجهول دون أن يخشاه، هو من مهمة الفيلسوف. و الفيلسوف يبدأ من الصفر ليضع الكل موضع السؤال. و مادام الخطاب الفلسفي، فكر إشكالي، فهو ينطلق من أسئلة، كل سؤال فيها ينفتح على أكثر من نافدة، على قضايا عديدة. غير أنه ليس كل تساؤل أو كل من تساءل فهو فيلسوف. و عن السؤال يقول "راسل ": " إن الفلسفة تستحق أن تدرس ليس من أجل أن نجد فيها أجوبة دقيقة عن الأسئلة التي تطرحها... بل بسبب قيمة الأسئلة ذاتها. إن الأسئلة الفلسفية تعمل على توسيع تصورنا للممكن، و تثري خيالنا العقلي، و تقلل ثقتنا الدوغمائية التي تغلق الفكر و تسد عليه منافذ كل تأمل...".
ليس في الفلسفة إجماع يتم بمقتضاه إقامة معرفة نهائية... إن جوهر الفلسفة هو البحث عن الحقيقة لا في امتلاكها... إن الاشتغال بالفلسفة معناه المضي في الطريق، و الأسئلة الفلسفية أكثر أهمية من الأجوبة، فكل جواب يصبح بدوره سؤالا جديدا"
"ياسيرز ".
φ العقلانيــــة: يتفق المؤرخون للفلسفة على أنها نشأت في بدايتها على إثر طرح الحكيم اليوناني الملطي، في ق.6.ق.م.، سؤالا عاما هو: ما أصل الوجود؟ و كذلك فعل تلامذته و اللاحقون عليه، إذ لم يقتنع الفلاسفة الأوائل بالوجود كما هو، و لم يطمئنوا إلى تفسيرات الأساطير، بل تساءلوا عن الوجود تساؤلا عقليا، و برروا إجاباتهم تبريرا عقليا، منسجما مع تصوراتهم الفكرية. و هذا العقل بدوره هو ثاني محدد للفكر الفلسفي.
لقد اعتد اليونان بالعقل، و استعملوه- تقريبا- في نفس المواضيع التي اهتم بها الشرقيون القدامى، لكن اليونان، ساروا بالعقل إلى أقصى حد. و في هذا الصدد يقول" أفلاطون":
:" علينا أن نساير العقل إلى حيث يذهب بنا" ، و يدعونا " هرقليطس " إلى الإصغاء لحكمة اللوغوس.
و في كلمة واحدة، فإن روعة اليونان، تظهر في التحول من الميتوس إلى اللوغوس.
ألم يدشن" ديكارت"
نفسه الفلسفة من جديد، في العصر الحديث، البحث العقلي المجرد، و المتحرر من كل سلطة دينية أو سياسية أو فكرية...؟
لقد تساءل " ديكارت" عن كل شيء لما شك في كل شيء، لاغيا معارفه السابقة و يقينياته الموروثة. و لم يكن له أن يحقق ذلك لولا الشك المنهجي.
نستطيع القول، بأن التفكير الفلسفي، تفكير عقلاني بالمعنى الذي يجعل منه تفكيرا تأمليا. و " التأمل كفعالية عقلية عليا غير منفصلة عن فعاليات التفكير و التنظير و التجريد و التركيب و النقد... و التأمل في الفلسفة ارتبط بالتنظيم و الانسجام و الوعي و التفكير المنهجي، بل و المنطقي".
تغدو الفلسفة إذن، هي علم العقل، و المعرفة التي أداتها العقل، و غايتها إدراك تطور العقل عبر التاريخ و داخل أنساق الفلسفة. هكذا يعرفها " كانط " بأنها:
" معرفة عقلية نظرية من نوع خاص تسمو كليا فوق تعاليم التجربة، معتمدة فقط على مجرد التصورات، و نتيجة لذلك يكون العقل فيها تلميذا لنفسه".
لهذا فالفلسفة كفكر عقلاني، لا تقنع بمسلمات الدين، و لا بضمانات التجربة الحسية، و إنما ترتكز على مبادئ العقل كقواعد منطقية للاستدلال، و التي لا يمكن تصور العقل بدونها. و الفيلسوف كيفما كان اتجاهه، يفكر تفكيرا منظما، خاضعا للمنطق، حيث ينطلق من مقدمات يعتبرها صحيحة عقليا، ليصل إلى نتائج مستخلصة من تلك المقدمات بشكل صارم.

φ الشموليـــــة: (= الكلية )، و تعني أن الفلسفة علم شمولي، لاتخصصي، كلي لاجزئي، أي أنها علم بالموجودات لا بتفاصيلها، بعمومها لا بجزئياتها، بأصولها و مبادئها، لا بظواهرها المحدودة و الملموسة. لذلك عرفها" أرسطو "بأنها " العلم التأملي بالمبادئ و العلل الأولى للموجودات" . إن الشمولية تعني م جهة أخرى، نزعة الفيلسوف إلى تناول معظم القضايا و الميادين التي تبدو من اختصاص مفكرين آخرين: السياسة، الأخلاق، الأدب، الدين، العلم... و هذا مثال على كليتها و شموليتها: إذا كان الرجل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://baitalhikma.forumactif.com
 

دروس مجزوءة الفلسفة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

 مواضيع مماثلة

-
» سلسلة دروس في امن المعلومات
» جميع دروس السنة الرابعة ابتدائي
» ملخصات جميع دروس العلوم الاسلامية للبكالوريا
» ملخصات دروس العلوم الطبيعية للثالثة ثانوي
» دروس احصاء تطبيقي لطلاب علم النفس وعلم الاجتماع

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
Baitalhikma Bezzanou :: -