Baitalhikma Bezzanou

Baitalhikma
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

  النظـــــــرية و التــجـــــــربــة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
bezzanou
Admin


عدد الرسائل : 44
تاريخ التسجيل : 12/03/2009

مُساهمةموضوع: النظـــــــرية و التــجـــــــربــة   الثلاثاء 14 يونيو - 1:59

النــظـــريــــة و التــــجـــربـــة


مــدخـــــــل:يبدو لأول وهلة أن اللفظين: "النظرية و التجربة"، متضادين و متعارضين، بحيث تربطهما علاقة توتر و صراع: فالأول يقترن بالعقل و التفكير و التأمل و الثاني يقترن بالواقع و الممارسة و العمل. غير أن الممارسة العلمية ، تعتمد في دراستها للظواهر الطبيعية على كل منهما، مما يفيد أن العلاقة بينهما ليست فقط علاقة مواجهة، بل هي علاقة تحاور و تكامل.
فالنظرية في معناها الاصطلاحي التأمل العقلي، و هو نسق من المبادئ و القوانين ينظم معرفتنا بمجالات خاصة من الواقع، و يتضمن هذا النسق بناء منطقيا، له مكوناته و يخضع لنظام فرضي استنباطي.
أما التجربة، في معناها العلمي، فهي مجموعة من العمليات التي يتم بمقتضاها إحداث ظاهرة ما في المختبر، بهدف دراستها و الوصول إلى بناء معرفة حولها. و التجربة بهذا المعنى هي التي تمكن من معرفة القوانين المتحكمة في الظواهر الطبيعية.
من خلال ما تقدم، نتبين كيف يتم تمثل النظرية باعتبارها تجريدا ذهنيا و مفاهيميا، كما يتم تمثل التجربة باعتبارها مجالا لحضور التطبيقي و الوقعي. و تطرح العلاقة بين النظرية و التجربة عدة إشكالات إبستيمولوجية، و التي يمكن صياغتها في التساؤلات التالية:
+ ما الدلالة التي يحملها مفهوم التجربة في الخطاب العلمي؟
+ ما الفرق بينه و بين التجريب؟
و ما المقصود بالنظرية العلمية في هذا الخطاب؟
+ و ما عناصر و خطوات بنائها؟
+ و ما هي معايير التأكد من صدقها و صلاحيتها؟
+ و ما نصيب كل منهما في تشكل العقلانية العلمية؟
+ و هل العقل العلمي ليس سوى مرآة عاكسة لمعطيات الواقع الحسي أم أن بذور المعرفة العلمية، توجد بشكل قبلي و فطري في العقل، و أن هذا الأخير قادر على إنتاج معرفة علمية اعتمادا على ذاته فقط؟
+ ما نصيب كل من الذات، ممثلة في العقل، و التجربة ممثلة في الواقع، في تكون المعرفة العلمية؟
+ و هل هذه الأخيرة، نهائية و مطلقة أم أنها نسبية و متغيرة؟ واحدة أم متعددة؟
1. التـــجربــــة و التـــجريـــــب:+ ما هو دور التجريب في بناء النظرية العلمية؟ + و هل يعتبر التجريب، في معناه التقليدي، المقوم الوحيد في تفسير الظواهر الطبيعية أم لعنصر الخيال العقلي دور ذلك؟
* كلـــود بــــرنـــار: يعتبر كلود برنــار أن لا سبيل إلى المعرفة العلمية إلا عبر المنهج التجريبي الذي يتطلب من العالم الجمع بين شرطين منهجيين ضروريين: أولهما، قدرته على الجمع بين الملاحظة و التجربة و اقتراح الفرضيات، و ثانيهما، أن يكون حذرا من الوقوع في الملاحظة الجزئية و المستعجلة، لأن التساهل في الملاحظة يؤدي إلى تشويه إدراك الظاهرة المدروسة، إما إهمالا لبعض أجزائها أو تعميم بعضها على البعض. لهذا يرى كلود برنــار أن"على الملاحظ أن يكون إذن، أثناء معاينته للظواهر بمثابة آلة تصوير تنقل بالضبط ما هو موجود في الطبيعة، حيث يجب أن يلاحظ دون فكرة مسبقة، و عليه أن يصمت و أن ينقل كل ما تمليه عليه الطبيعة". و لكن هذا الإملاء و هذا الإنصات لا يتم اعتباطا و إنما يتحقق باتباع الخطوات التالية التي توفر له القدرة على الجمع بين الفكر النظري و الممارسة التجريبية: 1. الملاحظة الواقعية الدقيقة. 2. ميلاد الفرضية تبعا للملاحظة و المعاينة. 3. العودة إلى الواقع من أجل تجريب مدى صدق الفرضية. 4. الاستنتاج ثمرة العمل التجريبي الذي تتأسس عليه ملاحظات جديدة.
* رونــــي طــــوم: يعترض رونــي طــوم على المنهج التجريبي في صورته الكلاسيكية، و يقر بممارسة تجريبية تتطلب مجموعة من الإجراءات كي تكون علمية، و هي: 1. عزل الظاهرة المدروسة عن مجالها الطبيعي و إعادة بنائها داخل مجال مختبري قد يكون واقعيا أو خياليا. 2. إخضاع هذه الظاهرة للاختبار التجريبي بحيث تكون تحت مراقبة العالم. 3. إحداث اختلال في الظاهرة المدروسة وفق مصادر موجهة بعناية. 4. تسجيل و تدوين استجابات الظاهرة المدروسة لهذا الخلل بواسطة أجهزة دقيقة، و لكي تكون الواقعة التجريبية علمية، لابد من توفر شرطين أساسيين: 1. قابليتها للتكرار، أي إعادة الإنشاء في مجالات زمانية و مكانية مختلفة. 2. أن يكون لها أثر مادي في حياة الناس و أثر نظري في تطور العلم.
إذا كان التجريب، حسب التصور التقليدي، هو معيار للتحقق من الفرضية، فإن رونــي طــوم يرى أنه لا يمكن الحديث عن فرضية علمية غير مؤسسة على نظرية سابقة. فكل نظرية تتضمن في نظره كيانات خيالية يتم التسليم بوجودها، مما يعني أن لعنصر الخيال العقلي دور كبير في التجريب العلمي. هكذا اعتبر رونــي طــوم أنه من الوهم الاعتقاد مع أنصار النزعة التجريبية التقليدية، بأن التجربة هي وحدها التي تمكننا من فهم العلاقات السببية بين الظواهر الطبيعية. فالتجريب لا يكفي وحده لفهم الظواهر الطبيعية و أسبابها، بل لابد من إقحام عنصر الخيال العقلي الذي يعتبر تجربة ذهنية مكملة للتجربة التي تتم بواسطة الأدوات العلمية في المختبر. هكذا يؤكد على التكامل الحاصل بين ما هو واقعي تجريبي من جهة، و ما هو خيالي عقلي من جهة أخرى. إذ لا يمكن للتجريب العلمي الاستغناء عن التفكير العقلي الذي يعد عملية معقدة و متشابكة يصعب ضبطها من خلال منهج محدد.
* ألكــســنــدر كــويـــري: يؤكد كـــويـــري أن مفهوم التجربة، بصفة عامة، باعتبارها مجموعة من التعلمات و الخبرات التي يكتسبها الفرد في الحياة، و تتميز بالعمومية و النفعية و الذاتية و المباشرة، و تخضع لملاحظة عامة غير دقيقة و عفوية، و يعتبرها عائقا في وجه التطور العلمي. أما التجريب أو التجربة العلمية، التي هي إعادة بناء ظاهرة معينة وفق شروط محددة يصنعها العالم داخل مجال مختبره في زمان و مكان محددين، يتيح للعالم مراقبة الظاهرة بشكل دقيق و تسجيل ملاحظاته خلال مسارها انطلاقا من توجيه عقلي علمي محدد.
إذن، إن التجربة الخام، في نظره، شكلت عائقا في وجه التطور العلمي، و لم تلعب أي دور في بناء المعرفة العلمية. أما التجريب و هو المساءلة العلمية للظواهر الطبيعية التي تفترض لغة رياضية، و هو ما مكن العلم من التطور في فهم الظاهرة. و يؤكد على أن تجاوز الكوسموس الأرسطي و استبدال المكان المجرد بالمكان الملموس، هو الذي سمح بالقطيعة مع الفكر العلمي القديم و الكلاسيكي.
إذن، من خلال ما تقدم كله، نشير إلى أن الفكر العلمي، ابتداء من ق.17، عرف شكلا آخر من التجربة، غير التجربة الحسية الخام، هو التجربة المبنية و المشيدة و الموجهة، بمقتضيات نظرية محدد سلفا، و التي وحدها ستسمى بالتجربة العلمية. فأمام الأخطاء التي وقع فيها أرسطو، كان لزاما على العلماء إعادة النظر في طريقة اشتغالهم، و التوقف لحظة للتفكير في المنهج الكفيل لدراسة الظواهر دراسة علمية. و هذا ما أدى إلى ظهور ما يعرف بالمنهج التجريبي.
فالعالم، منذ ق. 17، لم يعد يلاحظ أولا و يفكر ثانيا، كما كان الأمر مع أرسطو، و إنما العكس، أي يحدد لنفسه أولا مشكلة ما و في ضوئها يتجه إلى الواقع لملاحظته، حيث لا يلاحظ أي شيء و كيفما اتفق، و إنما يلاحظ فقط ما يفيد في الجواب عن ذلك المشكل الذي بناه فكره.
أما بالنسبة للتجربة التي لم تكن فيما مضى تتميز عن الملاحظة الحسية و عن الإنصات السلبي للواقع، فقد أصبحت منذ مطلع ق.17، عبارة عن جملة من الإجراءات المختبرية المحددة مسبقا أدواتها و خطواتها. إنها عبارة عن عمليات مقصودة ينجزها العالم نفسه بناء على المعطيات النظرية التي يريد فحصها، اعتمادا على وسائل و تقنيات هي نفسها نتاج و حصيلة لنظريات سابقة. و تبعا لهذا فالتجربةبمفومها العلمي الحديث، هي عبارة عن استنطاق و مساءلة للواقع و ليست مجرد إنصات و ملاحظة له. إنها إرغام الطبيعة على البوح بأسرارها و على الكشف عما تخفيه من قوانين علاقات و ليست مجرد مراقبة و تتبع لما تفصح عنه من ظواهر و معطيات. و هكذا لم يعد العالم، كما يقول كــــــــــــــــــــــــــانـــط،
مجرد تلميذ يتعلم من الطبيعة، و إنما قاضيا يرغمها على الإجابة عن الأسئلة التي يحددها هو نفسه، و اعتمادا على طرق يختارها هو نفسه أيضا.
2. العــقلانــيــة الــعــلــمــيــة:لا شك أن أحد أهم العوامل التي ساهمت في تطور و تقدم المجتمعات الغربية، هو ظهور نمط جديدي من التفكير، نمط جديد من العقلانية، هي العقلانية العلمية، التي حلت محل التفكير اللاهوتي للقرون الوسطى.
+ فما هي خصائص و مميزات هذه العقلانية الجديدة؟ + و ما هي أسسها و مرتكزاتها؟ + هل تعتبر هذه العقلانية التجربة هي المصدر الوحيد للمعرفة أم أن العقل أيضا هو مصدرها أم أن العقل و التجربة هما مصدرها؟
يقصد بالعقلانية في الفلسفة، كل مذهب فلسفي يؤسس المعرفة... على العقل، و يجعل منه الوسيلة الوحيدة لبلوغ الحقيقة. و قد ارتبط مفهوم العقلانية بديكارت، و يعتبر من مؤسسي النزعة العقلانية.
* النـــــزعــة العـــقـــلانـــيـــة: تؤمن هذه النزعة إيمانا مطلقا بالعقل، باعتباره المصدر الوحيد لكل معرفة يقينية، مطلقة. لقد عاش ديكارت مرحلة انهيار العلم الأرسطي، الذي كان يقوم على المعطيات الحسية، هذا الانهيار الذي بدأ مع كوبـــرنـــيــك، و بلغ أوجه مع غـــالــيــلـــي. و هذا ما دعاه إلى رفض شهادة الحواس، و إبعادها كليا كأساس للمعرفة، لأنها تخدع، و أدلته على ذلك كثيرة، و لهذا قرر ديكارت إقصاء شهادة الحواس، أكثر من مرة، و في أكثر من كتاب. كما سيجعل من القاعدة الأولى من القواعد الأربعة التي تضمنها كتابه:" خطاب في المنهج"، و التي تقول:" أن لا أقبل أي شيء على أنه حق ما لم يبدو لي يقينا أنه كذلك"، و هو ما يعني التخلي الكلي عن كل ما يقبل الشك، و في مقدمة ذلك معطيات الحواس.
إن العقل عنده، جوهر قائم بذاته، بحيث لا يحتاج إلى أي شيء خارج عنه لكي يشتغل و ينتج معرفة، لأنه مزود بشكل قبلي بمبادئ و أفكار فطرية. إن أحسن استخدامها ستؤدي إلى الحقيقة اليقينية. و هذه الأفكار الفطرية، تتجلى في جملة من المفاهيم الرياضية منها: مفهوم النقطة، و مفهوم الشكل، و مفهوم المساحة، و مفهوم الامتداد... إلى جانب جملة من الأفكار كفكرة "أنا أفكر إذن أنا موجود"، و فكرة "أن المثلث يتألف من ثلاثة أضلاع"... و هذه المفاهيم و الأفكار، تشكل في نظره، المادة الأولية لاشتغال العقل لبلوغ الحقيقة اليقينية.
* النـــزعــــة الــتـــجــريـــــبـــيــة: في مقابل هذه النزعة العقلانية، التي تجعل من العقل المصدر الوحيد لكل معرفة يقينية، تبلور في أوروبا القرن الثامن عشر، و بصفة خاصة في إنجلتــرا، نزعة تجريبية، تجعل من التجربة المصدر الوحيد لكل حقيقة. و من أبرز ممثليها: جــون لــــوك و دفــــيـــد هـــيـــوم: لقد اعتبر لـــوك أن العقل بمثابة صفحة بيضاء، لا توجد فيه أفكار فطرية، سابقة على التجربة، لأن أصل المعرفة و أداتها الوحيدة هي الحواس، و لا شيء يوجد في العقل قبل أن يوجد في الحس.إن كل فكرة في العقل لابد أن مصدرها التجربة، لأن تلك الأفكار التي تعتبر قبلية، ليست أكثر من أحكام مسبقة تولدت لدينا في زمن ماض بفعل مصدر ما، لكن طول ألفتنا لها جعلنا ننسى مصدرها، فنعتقد أنها فطرية.
إذن، إن النتائج التي تفضي إليها النزعتين: العقلانية و التجريبية، متعارضة و متناقضة: فبالنسبة للنزعة الأولى، مادامت الحقيقة مصدرها هو العقل الفطري، فإن ما يتوصل إليه من معارف فستكون بالضرورة يقينية و مطلقة، كما أنه قادر على معرفة حقيقة كل الأشياء. أما بالنسبة للنزعة الثانية، فمادام مصدر المعرفة هو التجربة الحسية، و مادامت هذه الأخيرة مختلفة و متغيرة، فإن ما يتوصل إليه العقل من معارف لن يكون مطلقا، بل نسبيا فقط.
* الــنــــزعـــــة الــنــقـــديــــــة: في خضم هذا الصراع بين النزعتين، ظهرت النزعة النقدية، مع كــــانــــط، و التي حاولت التوفيق بين عقلانية ديكارت و تجريبية لــوك. + فما المقصود بالنقد عند كــانــط؟ و كيف جمع و وفق بين الفلسفتين؟ و هل استطاع التوفيق بينهما؟
إن مفهوم النقد عند كــانــط، يعني نقد العقل لذاته، بغية تحديد قدراته و طريقة اشتغاله في إنتاج المعرفة، و ذلك من خلال الأسئلة التالية: + ماذا يمكنني أن أعرف؟ + و كيف يمكنني أن أعرف؟
يتفق كانـــط مع لــــوك، على أن كل معرف لابد من التجربة، فهذهةالأخيرة تشكل المعطى الأساسي و الأولي لبناء المعرفة، حيث يقول:" ليس ثمة شك في أن كل معارفنا إنما تبدأ مع التجربة..."، غير أن العقل لا يمكنه تلقي الانطباعات الحسية إلا إذا كان مهيأ مسبقا لذلك، أي مزود بشكل قبلي بأطر تمكنه من تنظيم المعطيات الحسية التي تزودنا بها الحواس، و التي تظل بدونها مجرد فوضى و شتات. و تتحدد هذه الأطر القبلية، في نظر كــانــط، في إطارين فطريين هما: الزمان و المكان، فضلا عن عدد من المقولات. فالزمان و المكان، ليس لهما وجود موضوعي في الواقع، و دليله على ذلك: أننا لا يمكن أن نتصور الأشياء متجاورة أو بعضها فوق بعض أو تحت بعض إلا إذا كنا نتوفر مسبقا على مفهوم المكان. كما لا يمكننا تصور أي شيء مجرد من كل مكان، بينما نستطيع أن نتصور مكانا خاليا من الأشياء. نفس الأمر بالنسبة للزمان أيضا، بحيث لا يمكننا تصور التعاقب و التآني إلا إذا كنا نتوفر بشكل مسبق على مفهوم الزمان، بينما نستطيع تمثل الزمان بدون أن نتمثل التعاقب و التآني.
إذن، تتأسس العقلانية الكــانــطــيــة على عنصرين هما: 1. الانطباعات الحسية التي تمدنا بها التجربة الحسية. 2. الأطر القبلية التي تتوفر عليها بشكل مسبق ملكة تلقي الانطباعات الحسية. لذا لا يمكن، في نظر كانـــط، بناء أية معرفة إلا من خلالهما، و هو ما عبر عنه في القول التالي:" المفاهيم العقلية بدون معطيات حسية جوفاء، و المعطيات الحسية بدون مفاهيم عقلية عمياء".
إن العقل في نظر كــانــط، قادر على بلوغ المعرفة الحقيقية، لكن فقط بخصوص المواضيع القابلة للإدراك الحسي، أما المواضيع الميتافيزيقية(=الله، العالم، النفس)، فهي ليست من اختصاص العقل الخالص، و إنما من اختصاص العقل العملي الأخلاقي، أي أنها ليست مواضيع للعلم و إنما مواضيع للإيمان. و الخلط بين المجالين و عدم التمييز بينهما هو الذي أدى إلى الوقوع في تناقضات و مغالطات. و هكذا ينتهي كانـــط إلى النتيجة التالية بخصوص حدود العقل و مدى قدرته على بلوغ الحقيقة.
أما العـــقـــلانـــيـــة الـــعــــلـــمـــيـــة، فتنفصل تماما عن العقلانية الفلسفية الكلاسيكية في صيغتها المكتملة و الشامخة مع كـــانـــط، من حيث تخليها النهائي عن اعتبار العقل كمضمون أو كبنية ثابتة مغلقة و نهائية، قوامها مبادئ فطرية و قبلية خارج التاريخ، بل هو بنية مرنة دينامية، كما يكشف عن ذلك تاريخ المعرفة العلمية نفسها.
+ ما هو أساس المعرفة العلمية؟ + هل هو الاختبار التجريبي أم البناء العقلي أم هما معا؟
* إينــشــتــــــايـــن: لقد كان إينشتاين من أهم العلماء و المفكرين الذين حاولوا أن يبينوا حدود التجربة في النظرية العلمية الفيزيائية، خاصة إذا كنا نعرف أن نظرية النسبية-عنده- كانت وراء ما يعرف إيبستيمولوجيا ب"أزمة التجرية"(= المنهج التجريبي)، على اعتبار أن كثيرا من المغاهيم... أصبحت غير قابلة للتحقق التجريبي، لأنها لا تستقيم إلا من خلال التحليل الرياضي، و هي جملة الأسباب التي جعلت إينشتاين يقر أن العقل هو الذي يعطي للنظرية بنيتها و تماسكها، أما التجربة فعليها أن تطابق نتائج النظرية.
و يؤكد إينشتاين على أن النسق النظري للعلم المعاصر يتكون من مفاهيم و مبادئ، هي إبداعات حرة للعقل البشري. من هنا فالنظرية العلمية تبنى بناء عقليا خالصا، أما المعطيات التجريبية فهي مطالبة بأن تكون مطايقة للقضايا الناتجة عن النظرية و تابعة لها.
هكذا يعتبر إينشتاين أن العقل العلمي الأكسيومي بكل ما يتميز به من رمزية و تجريد، كفيل بإنشاء النظرية العلمية، و ما التجربة إلا المرشد في وضع بعض الفرضيات من جهة، و في تطبيقها من جهة أخرى. كما يؤكد على الدور الذي أصبح يلعبه العقل الرياضي في الكشف عن النظريات العلمية ابتداء و دون تجارب سابقة. فالبناء الرياضي الخالص يمكننا من اكتشاف المفاهيم و القوانين التي تعتبر مفتاحا لفهم الظواهر الطبيعية، و هذا ما جعل العقل الرياضي هو المبدأ الخلاق في العلم، كما جعل من العقلانية العلمية المعاصرة عقلانية مبدعة، بحيث يقول:" إنني على يقين أن البناء الرياضي الخالص يمكننا من اكتشاف المفاهيم و القوانين التي تسمح بفهم الظواهر... فالتجربة ليست هي المنبع الذي تصدر عنه... إن المبدأ الخلاق في العلم لا يوجد في التجربة، بل في العقل الرياضي".
* بـــاشــــلار: لقد حاول باشـــلار أن يظهر -بطريقته الخاصة-أهمية العقلانية العلمية، من خلال التأكيد على المواجهة الفلسفية بين توجه عقلاني محض و توجه تجريبي صرف، لم تعد المواجهة قائمة في الفيزياء المعاصرة، نظرا للتداخل بين ما هو عقلاني و ما هو تجريبي. فالواقع العلمي لم يعد بالضرورة هو الواقع المادي الصلب الذي يفرض نفسه على الذات من خارج، لأنه(الواقع العلمي) أصبح في قبضة ما هو عقلي، أي أن العقلانية العلمية لم تعد تتشكل في إطار وعي مستقل عن الواقع، لأن الواقع العلمي أصبح واقعا يتدخل العقل في تحويله و تصحيحه. و هكذا أصبح الواقع العلمي واقعا عقليا.
و يؤكد باشـــلار على أهمية الحوار الجدلي بين العقل و التجربة في بناء المعرفة العلمية. و تتأسس الفيزياء المعاصرة، في نظره، على يقين مزدوج: الأول، يتمثل في أن الواقع العلمي ليس واقعا معطى عن طريق الحواس، بل هو واقع مبني بناء عقليا خالصا، و هو ما يعني أن الواقع يوجد في قبضة العقل. أما اليقين الثاني، فيتمثل في القول بأن بناءات العقل و براهينه لا تتم بمعزل عن الاختبارات و التجارب العلمية. و هكذا انتقد باشـــلار النزعة الاختبارية الساذجة التي اعتقدت أن التجربة هي مصدر بناء النظرية العلمية، كما انتقد النزعة العقلانية التي تصورت أن العقل قادر لوحده على بناء المعرفة بشكل منعزل عن الواقع. و على العكس من ذلك، اعتبر باشــلار أن بناء المعرفة العلمية المعاصرة يتم في إطار حوار متكامل بين العقل و التجربة. هكذا فالعقل العلمي المعاصر مشروط بطبيعة الموضوعات التي يريد معرفتها، فهو ليس عقلا ثايتا بل منفتحا على الواقع العلمي الجديد الذي يتناوله.من هنا ينعت فلسفته بالعقلانية المنفتحة و المطبقة، و التي تتم داخل وعي غير معزول عن الواقع العلمي نفسه، هو واقع متحول و مبني بناء نظريا و عقليا.
3. معــايـــيـــر علــمـــيــة النــظــريــات العـــلـــمــية:إن إشكالية تحديد مصداقية النظرية العلمية يفترض مبدئيا التساؤل حول وجود معيار يمكن اعتماده كأداة للقياس: + فما هي معايير علمية النظريات العلمية؟ + و ما هي مقلييس صلاحيتها؟ و لقد أفرز التفكير في هذا الإشكال ثلاثة ومواقف أساسية هي:
* المــوقـــف الأول: إن أنصار هذا الموقف، يعتقدون أن المعيار الوحيد للتأكد من صدق النظرية العلمية، هو مبدأ التحققالتجريبي. فمعيار التحقق هذا، يفترض التأكد من صدق النظرية العلمية من خلال ترجمتها الفعلية و التطبيقية على أرض الواقع، و بذلك كانت الفيزياء الكلاسيكية تحتكم إليه، لأن القوانين و النتائج العلمية كانت تتأسس على مبدأ الحتمية، و قابلية التمثل على مستوى الواقع، و ذلك ما يتيح التأكد من صلاحية النظرية العلمية عن طريق التجربة، مما يفسر الاعتماد المطلق على التجريب في تأسيس النظريات العلمية. و تعتبر الوضــعــيــة المــنــطــقــيــة(=الوضعية الجديدة) و في مقدمتهم ردولــف كــارنــاب، من كبار ممثلي هذه الحركة، التي ترى أن النظرية العلمية، ليس سوى تمثيل صوري لمعطيات مادية، أي أنها نسق من القضايا العلمية التي يقابل كل منها واقعة مادية جزئية،و كل نظرية تتضمن قضايا لا يقابلها أي شيء في الواقع فهي ليست بنظرية علمية و إنما هي مجرد قول ميتافيزيقي لا معنى له. لذلك كانت أول خطوة ينبغي القيام بها للتأكد من صلاحية نظرية علمية ما، هي أن نقوم بفحص عباراتها للتأكد من أنها جميعها تتوفر على معنى، أي لكل منها مفابل مادي محسوس في الواقع.
* الموقف الثــانــي: و يتزعمه كـــارل بـــوبـــر، الذي يؤكد أن تمثله لهذا المعيار يتأسس علىالاختلاف الذي يوجد بين معياره و معيار التحقق التجريبي. و هو معيار للمقارنة بين الأنساق العلمية المختلفة. فهذا المعيار يبين أن نظرية علمية ما، غير قابلة لأن تكون كذلك إلا إذا كانت قابلة للتكذيــب، لأن التكذيب وحده يستطيع أن يبين حدودها العلمية. و من هنا فإن صدق نظرية علمية ما، لا يقوم على تحققها التجريبي، و إنما على عدم وجود، إلى الآن، ما يكذبها، و هو ما يجعل صلاحيتها غير نهائية و غير مطلقة، و إنما نسبية و مؤقتة فقط، لأن عدم وجود ما يكذبها إلى حدود اليوم، لا يعني أبدا استحالة وجوده في المستقبل. و هذا ما دفع بالأنساق العلمية إلى أن تخوض صراعا مريرا من أجل ابقاء.و معنى هذا أن السبيل الأنجع لفحص صدق النظريات العلمية، ليس هو مواجهتها بما يثبت ذلك، و أنما مواجهتها بما يمكن أن ينفي ذلك، أي أن لا نواجهها بالوقائع و التجارب التي تتوافق معها و إنما بالوقائع و التجارب التي يمكن أن تبين عيوبها و نواقصها. إن اختبار صدق و صلاحية نظرية علمية هو شبيه باختبار قوة و صلاحية آلة ميكانيكية، فهو في الحالتين معا يتم من خلال إيجاد الظروف التي من المحتمل أن تكشف عن وجود عيوب و نواقص. و هو ما يدل عليه مفهوم الاختبار عند بـــوبـــر، حيث يقول:" إن معيار القابلية للتفنيد أو القابلية للتكذيب يمكن أن نطلق عليه القابلية للاختبار، ذلك أن اختبار نظرية ما تماما كاختبار جزء من آلة ميكانيكية يعني محاولة تبين العيب فيها.
* المــوقــف الثــالــث: و هو موقف يرى أن الموقفين السابقين(= التحقق التجريبي و التزييف) غير قادرين على استيعاب كل النظريات العلمية، بحيث لا يمكن استخدامها إلا بخصوص النظريات العلمية التي ترتبط بالظواهر الماكروسكوبية، أما بالنسبة للظواهر الجديدة و المعقدة: عالم الفضاء و سرعة الضوء و عالم الذرة، فهي عوالم مختلفة كليا عن الظواهر الأخرى، إنه واقع رياضي و ليس محسوسا، معقول و ليس ماديا، مبني و مبرهن عليه و ليس معطى و مسلم به.
و لهذه الاعتبارات يرى إينشتاين و تــويـــلـــيـــي بأن صدق و صلاحية النظريات، في العلم المعاصر، يتوقف على تماسكها الداخلي، أي أن تكون عناصرها من مفاهيم و قوانين مشتقة من بعضها البعض عن طريق الاستنباط العقلي المنطقي. فمادام العنصر الخلاق في مثل هذه النظريات، يكمن في الرياضيات و ليس في التجربة، فإنه لا يمكن لأي معيار آخر أن يفحص صدقها و صلاحيتها غير الرياضيات نفسها.
من خلال ما تقدم، يتبين أن معيار صدق النظرية العلمية، قد تحول من معيار الاختبار التجريبي إلى معيار التماسك المنطقي، أي التأكيد على رجاحة نظرية علمية لم يعد يتوقف على صدقها التجريبي، بل أصبح يتوقف على العلاقة المنطقية بين مكونات النظرية العلمية، بدء بالمفاهيم و المبادئ و انتهاء بالنتائج.
إذن، إن التطورات التي عرفتها الفيزياء المعاصرة، باكتشافها للعالم الأصغر(=عالم الذرة)، جعلت مفهوم الواقع يفقد معناه العادي المباشر، نظرا لتعقده. فالواقع في مفهومه العلمي المعاصر، هو شبكة من العلاقات التي تنسجها المعادلات و الدوال الرياضية، التي تتيح للعقل العلمي أن يشيد أنساقا نظرية، فرضية استنتاجية(=استنباطية)، شبيهة بالأنساق الرياضية. و هكذا لم تعد التجربة معيارا لاختبار صدق النظريات أو كذبها، لأنها أصبحت بناء عقليا حرا. كما صار الواقع إبداعا و بناء، من الخيال البشري، مما يؤدي إلى تعدد و تنوع النظريات، انطلاقا من العقل المجرد وحده.
خـــلاصــــات:

- إن تأمل تاريخ اشتغال مفهومي النظرية و التجربة في العلم التجريبي، بالرغم من إدراكنا لبعض علاقات التوتر و الصراع بينهما، يكشف لنا عن تداخلهما و تكاملهما الضروريين، فهما يكونان معا النظرية العلمية التجريبية.
- ساهم الحوار بين النظرية و التجربة، في العلم المعاصر، في إعادة صياغة مفاهيم فلسفية و علمية أساسية مثل مفاهيم العقل و الواقع و التجربة و اليقين...
- لا وجود لنظرية علمية عقلية خالصة، و لا وجود لتجربة علمية مستقلة عن العقل.
- إن انغلاق النظرية على ذاتها هو فناؤها، كما أن انغلاق العقل على ذاته هو عزلته و نهايته. study
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://baitalhikma.forumactif.com
 
النظـــــــرية و التــجـــــــربــة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
Baitalhikma Bezzanou :: الثانية باك-
انتقل الى: