Baitalhikma Bezzanou

Baitalhikma
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
شاطر | 
 

  الــــحـــقـــيـــقـــة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
bezzanou
Admin


عدد الرسائل: 44
تاريخ التسجيل: 12/03/2009

مُساهمةموضوع: الــــحـــقـــيـــقـــة   الأربعاء 15 يونيو - 20:39

الحـــقـــيــقــــة


مــدخـــل: تعتبر الحقيقة هدفا لكل بحث علمي و لكل تأمل فلسفي، إنها الغاية التي ينشدها كل إنسان سواء في علاقاته الاجتماعية أو في حياته الشخصية أو قي علاقته بالوجود. غير أن مفهوم الحقيقة يتصف بنوع من الغموض بسبب تعدد الحقائق و تعدد مصادر المعرفة. و الحقيقة كمفهوم تتجاذبه مجموعة من الميادين المختلفة: علوم حقة و علوم إنسانية و فلسفة... و الرهان الأساسي من وراء كل معرفة كيفما كانت طبيعتها، هو البحث عن الحقيقة، و من ثم فإن المجال الإشكالي للحقيقة يتحدد في إطار السعي المتواصل من قبل الإنسان لاكتساب الحقيقة، و إن كانت المناهج المؤدية إليها و معايير صدقها و الغايات من ورائها ليست متجانسة، بل مختلفة و متناقضة، تختلف من فيلسوف لآخر، و من حقبة زمنية لأخرى، و من ثقافة لأخرى. و في هذا السياق يظل الإشكال الأساسي هو:
+هل باستطاعتنا الوصول إلى معرفة حقيقية؟ + و حتى إذا أمكن ذلك، فما عساها أن تكون طبيعة هذه المعرفة؟ + هل ترقى لأن تكون معرفة كاملة و مطلقة أم أنها لا تعدو أن تكون مجرد معرفة ناقصة و نسبية؟ + و في سائر الأحوال، كيف يتأتى الوصول إلى هذه المعرفة؟ + و ما هي أفضل السبل المؤدية إليها؟ + هل هي العقل وحده معتمدا على مبادئه و أفكاره القبلية، يستنبط منها، و يتقدم من المجهول إلى المعلوم أم من الحس و ما يقوم عليه من معطيات و تجارب أم الحدس و ما يفرضه من تعاطف وذوق و مشاركة وجدانية؟
+ و ما علاقة الحقيقة بالرأي؟ + هل هي علاقة اتصال و استمرار أم علاقة انفصال و قطيعة؟ + و ما معيار صدق الحقيقة؟ + و من أين تستمد الحقيقة قيمتها؟ + هل من الممارسة العملية أم من مدى ترسيخها للشروط الضرورية لحفظ بقاء الإنسان؟ + و هل يمكن الحديث عن الحقيقة بمعزل عن أضدادها؟

1. الحـــقيـــقــة و الــــــرأي: قبل الحديث عن طبيعة العلاقة بين الرأي و الحقيقة، يستحسن تحديد معنى المفهومين: الرأي و الحقيقة.
يدل لفظ" الرأي " على فكرة أو تمثل أولي أو اعتقاد يعوزه اليفين، في مقابل الحقيقة التي يفترض أنها مبرهن عليها بطريقة من طرق التدليل و الإثبات و التحقق. و العلامة المميزة للرأي كخطاب و كنمط من المعرفة هو كونه متداولا و متاحا للجميع. و بهذا المعنى الأخير، يغدو الرأي مرادفا للحس المشترك أي المفهوم الطبيعي المشترك بين الناس، المتاح مباشرة لكل فرد دونما حاجة إلى دراسات متخصصة أو منهجية.
دأبت الفلسفة على تقديم نفسها كخطاب للحقيقة و الحقيقة المنزهة عن الغرض بالخصوص، تلك التي تنتج عن مجهود عقلي. و إذا كانت الحقيقة نقيضا للخطأ و الوهم و الظن و التسرع و الأحكام المسبقة، فإن كل هذه الأضداد تجتمع تحت اسم واحد هو: الــرأي.
+ و لكن من يقيم هذه التقابلات أولا؟ + هل هناك رأي يشير إلى نفسه باعتباره رأيا؟ + و هذه الحقيقة الناتجة عن منهج و تدليل و مجهود عقلي، هل هي استمرار للرأي أم أنها تشكل قطيعة معه؟
إذن، لقد أفرزت إشكالية العلاقة بين الرأي و الحقيقة موقفين متعارضين:
* تـــســفــيه الــرأي: الحقيقة كقطيعة مع الـــرأي: رأينا سابقا - عدة مرات - كيف سيتخذ الحذر من الرأي عند ديـــكارت طابعا منهجيا راديكاليا: هكذا يطالبنا بالشروع و لو مرة واحدة في الحياة، في الشك في جميع الآراء التي تلقيناها و صدقناها، و في الأشياء التي نجد فيها شبهة من عدم اليقين، بغية التخلص من الأحكام المسبقة و الآراء المتداولة التي تتشبث بأنفسنا بقوة. و هكذا يطرح ديكارت ضرورة مراجعة الآراء باستمرار، و عدم اتخاذها يقينا، قبل أن تخضع للشك و للفحص العقلي المتحرر من كل القيود. إن ما كان قد تلقاه ديكارت، هو ابن السابع عشر، من آراء في أسرته و في المدارس التي تعلم فيها، كان في نظره امتدادا لآراء العصور الوسطى العقيمة. و من ثم تحتاج تلك الآراء إلى المراجعة و النقد. لدا ألح ديكارت على مبدأ الشك، كخطوة أولى، بإمكانها أن تحرر المرء من سيطرة الآراء السائدة.
+ لكن تبدو الأمور أحيانا متداخلة بحيث يصعب الفصل بينها، لدا كيف يمكن أن نضع الحدود الفاصلة بين الحقيقة و الرأي؟
يساعدنا كـــانـــط على ذلك، بحيث يضع تمييزا دقيقا بين ثلاثة أنواع من الاعتقادات: الرأي، الإيمان، المعرفة، و بالتالي يجب الوعي بها جيدا لتفادي الخلط بينها. فالرأي هو كل اعتقاد لا يتوفر صاحبه على الاكتفاء الذاتي و الموضوعي، أي لا يستطيع أن يؤكده لا لنفسه و لا لغيره، لأنه يفتقر الإقناعية و البراهين التي يمكن أن تجعله مقبولا بشكل عام من طرف الجميع. إنه يبقى مجرد احتمال، حتى صاحبه يمكن أن يعيد فيه النظر لاحقا. و هذا حال الآراء الشائعة و المعرفة العامية. أما الإيمان فهو كل اعتقاد يكون لصاحبه اكتفاء ذاتي به، أي متيقن منه بشكل مطلق، لكنه لا يتوفر على اكتفاء موضوعي، أي لا يستطيع أن يحوله إلى حقيقة موضوعية يصدق بها الجميع، إذ يوجد أشخاص لا يشاطرونه نفس الإعتقاد، لأن لهم إيمانهم الخاص و الذي يبدو لهم أيضا يقينيا دون أن يستطيعوا إقناع الآخرين به، و هذا هو حال المذاهب و المعتقدات الدينية مثلا. و أخيرا هناك المعرفة، و هي الاعتقاد الذي يحقق فيه الاكتفاء الذاتي و الاكتفاء الموضوعي معا، أي أنه يقيني ليس فقط لصاحبه، بل يقيني لكل الناس، لأنه يقبله العقل و المنطق، و لا أحد يجد ترددا في التصديق به، حتى و لو كان من ثقافة أخرى لها إيمانها و معتقداتها المختلفة، و هذا حال الحقائق العلمية و المعارف الرياضية مثلا.
للتمييز إذن، بين الرأي و الحقيقة، هناك مسألة الاكتفاء الذاتي، فالاكتفاء الذاتي يسمى اعتقادا - بالنسبة لي- أما الاكتفاء الموضوعي قيسمى يقينا- بالنسبة للجميع - لكن كون الرأي لا يعتبر معرفة، هذا لا يعني دائما أنه مرفوض، فهناك من الفلاسفة من يكشف وجهه الإيجابي أحيانا، كما سنرى لاحقا مع لــيــبــنــتــز.
و بينما يقابل ديـــكــــارت بين مفهومي الرأي و الحقيقة، و يميز كـــانـــط بينهما، قي مجال المعرفة الإنسانية عامة، فإن الإبستيمولوجي الفرنسي المعاصر غـــاســـتـــون بـــاشــــلار، يفابل بين هذين المفهومين، داخل نمط محدد من المعرفة، و هو المعرفة العلمية: يعتبر بــاشــلار الآراء بمثابة عوائق إبستيمولوجية تحول دون تقدم الحقيقة العلمية، و من ثم ينبغي تجاوز هذه العوائق من أجل بناء معرفة علمية حول العالم.
إن المعرفة العلمية تبدأ أولا بالانفصال و القطيعة مع المعرفة العامية، مادام العلم يتعارض كليا مع الرأي الذي ينتج الأخطاء، لأن صاحب الرأي يفكر تفكيرا سيئا، بل إنه لا يفكر، و إنما يترجم الحاجات إلى معارف.
و في هذا الصدد يقول بــاشــلار:" إن العلم... يتعارض مطلقا مع الرأي... إن الرأي من الناحية المبدئية هو دائما خاطئ. الرأي يفكر تفكيرا ناقصا، بل إنه لا يفكر: إنه يعبر عن حاجات معرفية... لدا لا يمكن أن نؤسس أي شيء على الرأي بل يجب أولا أن نقضي عليه. إنه العائق الأول الذي يتعين تجاوزه في المعرفة العلمية...".
هذا الموقف نجده حاضرا كذلك لدى فلاسفة الإسلام، منهم الــفـــارابـــي، الذي يعتبر العلاقة بين الرأي و الحقيقة، متناقضة و متعارضة، لأن بادئ الرأي يكون مشتركا بين جميع الناس، و يعود مصدره إلى الانطباعات الحسية، و إلى ما و سائد و شائع من المعارف و الأفكار المتداولة بدون تمحيص أو بحث أو تدقيق يخضع للفحص البرهاني.
فالمعرفة العامية و المشتركة تكون بالطرق الجدلية أو الخطبية أو الشعرية، بينما المعرفة العلمية تكون بالطرق البرهانية فقط، فالأولى يسميها الفارابـــي بالصنائع العملية، و الثانية بالصنائع النظرية التي يقصد بها " علم التعاليم "(=الرياضيات) و " العلم الطبيعي " (=الفيزياء)، أي الحقيقة العلمية.
* إعـــادة الاعـــتبـــارللــرأي: أوجه الاستمرار بين الرأي و الحقيقة: يرى لــيــبــنــتــز أن الرأي قد يستحق اسم معرفة رغم طابعه الاحتمالي، لأنه يبقى مع ذلك له دور ثوري في مجال تاريخ الأفكار، و في مسيرة تطور العقل البشري. فكثير من المعارف الحقيقية الحالية بدأت مجرد احتمالات، و كانت تعد في البداية مجرد آراء تفتقر اليقين. لكن مع مرور الزمن، تم تدعيمها بالحجج اللازمة لتتحول إلى حقائق. فقد كان كــوبــرنــيــك و غــالــيلــي... و آخرون يبدون وحيدين و معزولين في آرائهم، لكن ثبت بعد ذلك أن هذه الآراء هي ما سيحمل صفة الحقيقة.
إذن، يمكن للآراء أيضا أن تكون طريقا نحو الحقيقة، هذا ما يدافع عنه بـــاســـكـــال، إذ يرفض إعطاء السلطة المطلقة للعقل، لأن المعرفة يمكن أن تتحقق إلى جانب العقل بوسائل أخرى: بالقلب مثلا بالعواطف... و الآراء الخاصة، بل حتى العقل إذا أراد أن يعرف فإنه يستند إلى مبادئ يتم حدسها و إدراكها بالقلب. و المقصود بالقلب هنا، ذلك الإدراك المباشر لبعض الحقائق دون الاستعانة بأي استدلال عقلي أو منطقي. فكما للعقل برلاهينه و حججه فإن للقلب أيضا مبرراته التي لا يعرفها العقل أو بعبارة بــاســـكـــال المشهورة: LE COEUR A SES RAISONS QUE LA RAISON NE CONNAIT PAS

3. مـــعـــيـــــار الـــحـــقـــيـــقـــــة:إذا كان هدف الحقيقة هو معانقة اليقين في إنتاجها لمختلف أصناف المعارف و في مختلف الوسائل لإقناع وسيط سلطتها المعرفية فإننا نكون أمام تعدد معايير الحقيقة.
+ فما هي معايير الحقيقة؟ + هل هو معيار منطقي أم معيار مادي؟
* مــعـــــيــــار الـــكـــــونــــيــــة: الــوضـــــوح و الــتــميــــــز: ديـــكــارت:عندما ينخرط المرء في مغامرة الشامل و في عملية مسح الطاولة، لابد من معيار أو علامة يهتدي بها إلى بر الحقيقة من جديد حسب التعبير المجازي لهيــغــل. و لما كان هدف الفلسفة حسب ديــكــارت هو الكشف المبادئ الأولى التي تستنبط منها كل معرفة ممكنة، وجب وضع معيار شامل لفحص حقيقة هذه المبادئ و ما يستنبط منها.
فديكــارت يعتبر معيار الحقيقة هو الحدس و الاستنباط، و يقصد بالحدس الإدراك العقلي البسيط للأشياء، باعتباره تصورا بسيطا و متميزا لا يبقى معه أي مجال للشك فيما ندركه من حقائق. و هذا التصور البسيط صادر عن ذهن خالص و يقظ، أي عن نور العقل وحده. لكن هذا الحدس وحده غير كاف للوصول إلى الحقيقة إلا إذا كان مصحوبا بعملية الاستنباط الذي يقصد به معرفة غير مباشرة لإدراك الحقائق. لكنه ليس أقل أهمية من الحدس، لأنه يقود بدوره إلى حقائق أولى أو بديهيات. أي كل ما يمكن استنباطه من أشياء أخرى معلومة من قبل بنوع من اليفين.
لننظر إلى الكــوجــيـــطـو مثلا: لا يمثل الحقيقة الأولى في النسق الديكارتي فحسبـ بل يقدم نموذج الحقيقة بامتياز: فهو حقيقة بسيطة واضحة استخرجها الفكر من ذاته، لذلك يشترط قي جميع الحقائق أن تكون حقائق أولية بسيطة يدركها الفكر بالحدس بكل وضوح و تميز أو حقائق مركبة مشتقة منها عن طريق الاستنباط. و بعبارة أخرى، فالحقائق إما موضوع حدس إذا كانت أفكارا و معان عقلية بسيطة، بديهية و فطرية يدركها العقل مباشرة أو موضوع استنباط إذا كانت أفكارا و قضايا مركبة و مشتقة. و في جميع الأحوال فالحقيقة صفة ذاتية و لا تخرج عن دائرة الفكر و كأن الأفكار الحقيقية تحمل في ذاتها دليل حقيقتها. لذلك يقول اســبــبــيــنــوزا: " الحقيقة معيار ذاتها كالنور يعرف بذاته و به يعرف الظلام ".و لعل ذلك صادق بالخصوص بالنسبة لحقائق الرياضيات، حيث لا يهتم الفكر إلا بالتطابق مع ذاته أي احترام مبادئه و معاييره. فالحقيقة إذن، يكون مصدرها بالحدس أولا ثم بالاستنباط ثانيا، باعتبارها الأساس الذي يقوم عليها المنهج المؤدي إلى بلوغ الحقيقة و تمييزا عن الأخطاء. و هو المعيار الذي يدافعةعنه سبينـــوزا أكثر حين يؤكد أن الحقيقة لا تحتاج إلى أي معيار خارجي عنها مادامت هي المعيار ذاتها. فمن يمتلك فكرة صحيحة لا يحتاج إلى من يعلمه بذلك أو من يؤكد له ذلك، لآن الفكرة الصحيحة تخبر عن نفسها و تؤكد ذاتها مادامت تبدو بديهية جدا لصاحبها. و البديهي يفرض نفسه على العقل و لا يمكن حجبه بأي شكل من الأشكال، إنه يفرض نفسه بوضوح تام.
إذا كان ديــكـــارت قد تحدث عن معياري الوضوح و التميز على أساس أن الفكرة الواضحة هي التي تدرك بداهة و دون وساطة و لا يتطرق الشك إلى صدقها، نجد لــيــبــنــتــز ينتقد هذا التصور الديـــكـــارتي، و يرى مقابل ذلك أن الحقيقة تعتمد المنطق و البرهان قصد الفصل بين ما هو حقيقي و ما هو غير ذلك، بمعنى أن لا نقبل أي شيء يكون فيه خلل على مستوى المادة و الصورة، و ذلك الفصل لا يكون إلا بتقدير درجة الاحتمال الموصلة إلى اليفين. أي أن لــيــبــنــتــز لا يبدو له هذا المعيار كافيا، فأن تبدو لك فكرة واضحة و متميزة، لا يعني بالضرورة أنها يقينية ما لم تتم البرهنة عليها بشكل سليم. تحتلج الفكرة إذن، حسب لــيــبــنــتــز إلى ما يدعمها كالحجج و الاستدلالات المنطقية، كي تصير حقيقة. فالمعيار ليس هو الوضوح و البداهة، و إنما هو البرهان، لأنه لا يكفي أن تبدو لك الفكرة واضحة و متميزة، بل يجب أن تجعلها تبدو كذلك للآخرين أيضا، و هذا يتطلب منك تقديم كل ما لديك من حجج و براهين حتى تتأكد من أنك لست واهما.
* مـــعــــيـــار الكــــونـــيــة إلا بالنسبة للحقائـــق الصـــوريـــة: بخلاف ديكارت و اسبينوزا اللذين اعتقدا في وجود معيار كوني للحقيقة بصفة عامة، لا يمكن حسب كـــانـــط الحديث عن معيار كوني إلا بصدد الحقائق الصورية، فمادامت المعرفة تتطلب مادة و صورة، حدوس حسية و مقولات عقلية، فإن الأحكام التي تتضمن حدوسا حسية و هي الأحكام التركيبية لا يمكن معرفة حقيقتها بمجرد تحليل مكوناتها أو النظر فيها بذاتها، لابد أن نتأكد من تطابقها لموضوعها و هو مادتها. و هكذا فلنتأمل القضايا التالية:" السماء غائمة" و "الوقت متأخر" و "جميع المعادن تتمدد بالحرارة": نجد أحكاما لكل منها موضوع و في كل مرة ينبغي فحص الموضوع/الواقع للتأكد من مطابقة الحكم له. فالمواضيع تتعدد إلى ما لانهاية، لذلك يستحيل العثور على معيار كوني شامل لكل الحقائق المادية(=الأحكام التركيبية).
لننظر الآن في الحقائق الرياضية و المنطق: لا يتضمن هذان العلمان أحكاما متعلقة بالعالم الخارجي، و لذلك يكفي لفحص صدق أحكامها النظر في عدم تناقضها مع قواعد العقل و الاستدلال أو المنطق أي في صحة صورتها، غير أن المنطق لا يستطيع أن يذهب بعيدا: فما من محك بوسعه أن يتيح للمنطق كشف الخطأ حين يتعلق الأمر بمادة المعرفة و ليس بصورتها.
إذن، فمن غير الممكن أن يوجد معيار مادي كوني للحقيقة، لأن القول بذلك يقتضي عدم التمييز بين الموضوعات، و هذا نوع من العبث أن نتجاوز كل اختلاف بينها. و في مقابل ذلك، يقر بالمعيار الكوني الصوري للحقيقة، لأن الحقيقة الصورية الكونية تكمن في مطابقة المعرفة لذاتها، و من ثم يكون هذا المعيار ليس شيئا غير المعيار المنطقــي.
و ضد أي نزوع مثالي، اهتم الفلاسفة التحليليون و رواد الوضعيـــة الــمــنــطــقــية بمسألة تحليل اللغة، و أنه لا توجد مشكلات بقدر ما هنالك سوء فهم اللغة، الأمر الذي سيحدو ب قــتــجــنــشـــتــايــن إلى جعل المنطق الرياضي الآلة المعتمدة في التحليل. فمعيار صدق الفكرة و بطلانها هو مدى قابليتها للتحقق التجريبي مركزا بشكل كبير على تحليل البناء المنطقي للغة القضايا، و الهدف من التحليل هو الوصول إلى الدقة و الوضوح، و تجاوز الإبهام و الغموض، و تخليص اللغة من الشوائب الميتافيزيقية. فالقضايا الكاذبة أو الفارغة من المعنى، هي التي لا تعبر عن أشياء واقعية يمكن الإحالة عليها أي أن بنيتها التركيبية لا تسعفنا إلى أي دلالة ممكنة(مثال: الأفكار الخضراء تنام غاضبة).
موقف فــتــجــنــشــتــايــن قد يبدو مغريا على مستوى التحليل، غير أنه سرعان ما اعتبر تحليلا مهزوزا. فرغم الاعتراف بالأهمية التي تلعبها التجربة في فحص و تمحيص الأفكار، فهذا الموقف يبقى تعسفيا، خصوصا و أنه يعتبر القضايا الوجدانية و المواقف الشعورية... قضايا خاوية من المعنى. و في هذا افتقار للواقعية، و اختزال لاختلاف الموضوعات و إفراغها من منطقها الخاص.

3. الـــحـــقـــيـــقــة كـــقـــيـــمـــة:قيمة الشيء هو تلك الصفة التي تجعله موضوع تقدير و رغبة و احترام.
+ فما الذي يجعل من الحقيقة شيئا مرغوبا فيه؟ + و ما هي القيمة الفلسفية للحقيقة؟ + و ما علاقتها باللاحقيقة؟ + و هل يمكن الحديث عن الحقيقة منفصلة عن أضدادها؟
* القيمة الأداتـــيـــة للحــقــيــقــة: البرغماتــيــة: ولــيام جــيــمــس: إذا كانت الحقيقة في الفلسفة التقليدية تعتبر غاية في ذاتها و تستمد قيمتها من ذاتها لا من شيء خارجها، فإن الفلسفة المعاصرة و خاصة الاتجاه البرغماتي يؤسس تصورا نفعيا للحقيقة. لقد حاولت هذه الفلسفة تجاوز هذا التصور التقليدي بتأكيدها أن قيمة الحقيقة تتجلى في ما هو نفعي و عملي و مفيد. يقول جيمس: " يقوم الصادق بكل بساطة في كل ما هو مفيد لفكرنا، و الصائب في ما هو مفيد لسلوكنا..".
لقد اعترضت البرغماتية على الطرح الكلاسيكي للحقيقة و أعطت بديلا فلسفيا يتجلى في معيار المنفعة. فالحكم يكون صادقا متى دلت التجربة على أنه مفيد نظريا و عمليا، و بذلك تعتبر المنفعة المحك الوحيد اتمييز صدق الأحكام من باطلها. يقول: " إن النتائج و الآثار التي تنتهي إليها الفكرة هي الدليل على صدقها و مقياس صوابها..". إن امتلاك الحقيقة ليست غاية في ذاتها بل مجرد وسيلة يتوصل بها إلى إشباع حاجات حيوية، إنه يكافئ امتلاك أدوات العمل. و بعبارة موجزة: " الحقيقي هو المفيد".
إن هذا الطرح البرغماتي لقيمة الحقيقة تقف أمامه عدة اعتراضات منها: ألا تسقط هذه المدرسة في تعدد الحقائق بتعدد و تعارض المنافع الفردية؟ + ألا تنتهي البرغماتية إلى تصور لاأخلاقي تبرر فيه الغاية الوسيلة؟ + ألا يعني الإقرار بالقيمة النفعية للحقيقة فسح المجال لاعتبارات لاأخلاقية كالأنانية و الظلم و التآمر...؟
* الــقــيــمــة الأخــلاقــيــة للحقــيقــة: كـــيـــركغـــارد: على عكس التصور البرغماتي، يرى كركغارد أن الحقيقة لها قيمة أخلاقية، إنها فضيلة على الطريقة السقراطية قبل أن تكون مجرد معرفة، تقدم لنا سيرة سقراط و فلسفته تصورا أخلاقيا للحقيقة، فلم تكن غاية التفلسف عند سقراط تعلم المهارة الجدلية أو الحنق أو تكريس المعارف قي الذهن، بل تدريب النفس على اكتساب الفضيلة، و بذلك تتطابق الحقيقة و الكمال الأخلاقي. لقد كانت الحقيقة غاية في حد ذاتها، تعاش بصفة شخصية كما لاحظ كركغارد، و لم يكتف سقراط بأن عاش الحقيقة فحسب، بل مات من أجلها، بمعنى أن لا شيء مقدم على الحقيقة، بما في ذلك حياة المرء نفسها. فالحقيقة ليست شيئا ثابتا، إنها حوار و اختلاف و هي ذاتية لأنها لا تتكرر في كل واحد منا، إنها أخلاق و فضيلة و ليست قضية معرفية و غاية مذهبية بعيدة عن شروط و وجود الإنسان.
* القــيــمــة الـــوهــمــيــة للأخــلاق:نـــيـــتـــشـــه: على خلاف النظرة المثالية للحقيقة التي تعتبر الحقيقة غاية في ذاتها، بل قيمة أخلاقية سامية، يتساءل نيتــــشه: + لماذا نرغب في الحقيقة عوض الخطأ؟ + لماذا نحتاج الحقيقة و نبجلها؟ إنها قبل كل شيء قيمة، و من ثم فهي مرتبطة مباشرة بضرورات حيوية، و من ثم فقيمتها قبل كل شيء قيمة عملية. إن الحقيقة ليست سوى ما يسمى بالخطأ النافع للحياة، لبقاء الإنسان، إنها وهـــم. أما الحقيقة الحق، تلك التي يتم تجاهلها حسب نيتشه فهي حقيقة الصيرورة، التغير الأبدي للأشياء.
و قد اعتبر أن مصدر الوهم هو حاجة الإنسان إلى العيش في سلم و أمن، و من ثم إقرار مجموعة من الأفكار باعتبارها حقائق، و نحن نعتقد أننا نعرف شيئا من الأشياء ذاتها عندما نتحدث عن الأشجار و الألوان... و مع ذلك فنحن لا نملك غير استعارات عن الأشياء لا تتطابق أبدا مع الكيانات الأصلية للأشياء، مادامت اللغة حسب نيتشه ليس سوى استعارات و تشبيهات...
يترتب عن ذلك، أن اعتقادنا في امتلاك حقائق بواسطة اللغة ناشئ عن نسيان مصدر اللغة و عملها، و نسيان قوة الغرائز و الأهواء المحركة للفكر و العمل، و من ثم فإن ما يسميه الناس حقائق ليس سوى أوهام نسينا أنها أوهام. إذن، يمكن القول تبعا لنيتشه إن إرادة الحقيقة هي أرادة الحياة و المنفعة و القوة.


































































study study
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://baitalhikma.forumactif.com
 

الــــحـــقـــيـــقـــة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
Baitalhikma Bezzanou :: -