Baitalhikma Bezzanou

Baitalhikma
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الدولــــــــة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
bezzanou
Admin


عدد الرسائل : 44
تاريخ التسجيل : 12/03/2009

مُساهمةموضوع: الدولــــــــة   السبت 18 يونيو - 17:48

الـــــدولـــــــــــــــــــة

مدخل: يتحدد الإنسان ككائن مدني و سياسي، لكونه على خلاف الكائنات الأخرى، يميل إلى العيش داخل مجتمع يسوده النظام، المبني على مبادئ و قيم... لا على رغبات الشهوة و الغريزة، حتى يضمن لنفسه الاستقرار و الأمن و البقاء.. و قد شكلت الدولة أرقى مؤسسة سياسية عرفتها البشرية لحد الآن.
إذن، ليس الإنسان فردا منعزلا، مكتفيا بذاته، و إنما هو كائن اجتماعي، لا يحقق إنسانيته الكاملة إلا انطلاقا من العيش داخل الجماعة في إطار علاقات تفاعلية بين الأفراد. و وجود المجتمع و استمراره رهين بعدد من المؤسسات أهمها الدولة.
يتربع مفهوم الدولة على عرش الفلسفة السياسية، لما يحمله من أهمية قصوى، سواء اعتبرناه كيانا بشريا ذو خصائص تاريخية، جغرافية، لغوية و ثقافية مشتركة، أو مجموعة من الأجهزة المكلفة بتدبير الشأن العام للمجتمع.
و تتحدد الدولة كبنية قانونية، تتمتع بمجموعة من السلطات التي تمارس من خلال عدة مؤسسات سياسية و إدارية، كما تتوفر على أجهزة زجرية لحفظ الأمن و حماية النظام، و أجهزة إيديولوجية و عسكرية أيضا، و تشكل السيادة القاعدة الحقيقية للدولة، و تتجلى في امتلاكها السلطة الشرعية على جميع مواطنيها و استقلالها عن سيطرة أية دولة أخرى. إن سلطة الدولة تمر عبر مؤسسات متعددة تمارس على الأفراد نوعا من العنف المشروع.
إذن، فالدولة تحمل في ذاتها مفارقة: إنها وسيلة للهيمنة و جهاز للقمع، و هي أيضا وسيلة لضمان النظام الاجتماعي و الأمن و حماية الحريات: فهي صراع و اندماج في آن واحد.
*ما طبيعة الدولة؟ و ما هو الأساس الذي تقوم عليه؟ ما هي الغايات التي جاءت من أجلها؟ من أين تستمد الدولة مشروعيتها؟ هل من حماية الحريات و ضمان الأمن أم من ممارسة العنف و الهيمنة؟ و كيف تمارس سلطتها؟ هل بالقوة أم بالقانون، بالحق أم بالعنف؟
المحور الأول: مشروعية الدولة و غايتها: من بين الأطروحات الفلسفية القديمة التي اهتمت بالبحث في أصل الدولة، هناك نظرية الحق الإلهي(=الدولة التيوقراطية) التي أرجعت أصل الدولة إلى الدين، معتبرة أن الحاكم بمثابة إله أو ابن إله، كما هو الشأن لدى الفراعنة في مصر القديمة أو أباطرة اليابان. و قد تغيرت هذه النظرية قليلا في العصور الوسطى، بحيث أصبح ينظر إلى سلطة الحاكم، و كأنها نابعة من تفويض إلهي...
غير أن فلاسفة العقد الاجتماعي في أوربا(هوبز و لوك و روسو...) تجاوزوا هذه النظرية معتبرين أن الدولة تقوم بالأساس على عقد اجتماعي، يتخلى بمقتضاه الأفراد عن بعض حقوقهم الطبيعية لصالح حاكم أو جماعة، مقابل ضمان حقوق مدنية و سياسية... تضمن لهم الحرية و الأمن...
1.لـــوك: موقف التصور التعاقدي و المذهب الفرداني: الفرد غاية الدولة: للبحث في مشروعية الدولة و تعيين غاياتها يلجأ التصور التعاقدي إلى البحث أولا في منشئها، انطلاقا من فرضية حالة الطبيعة. يقول لوك:" لكي نفهم السلطة السياسية فهما صحيحا و نستنتجها من أصلها ينبغي أن نتحرى الحالة الطبيعية التي وجد عليها جميع الأفراد". هنا تظهر الدولة كمجرد اتحاد بين أفراد يتمتعون بحقوق طبيعية سابقة زمنيا على ظهور الدولة، رغبوا لهذا السبب أو ذاك في تيسير العيش المشترك، و أولى حقوقهم هي إرادتهم التي جسدوها في هذا العقد، ينتج عن ذلك أن لا حقيقة و لا وجود للدولة قبل الفرد، الفرد مقدم و سابق عليها، منه يستمد مبرر وجودها و من ضمان مصالحه تشتق مشروعيتها، و لذلك يقترن التصور التعاقدي أحيانا بالمذهب الفرداني و أحيانا أخرى بالليبرالية.
*ماذا ينتظر من الدولة؟ و ما غاياتها؟
يميز لوك بين الخيرات المدنية و الخيرات الدينية أو نجاة الأرواح، و تتمثل الأولى في خيرات ذاتية كالحياة و الحرية و سلامة البدن و خيرات خارجية كالأرض و النقود و ما سواها من الممتلكات، أما الخيرات الدينية فهي تقوى النفس و نجاتها من الضلال و الشقاء الأبدي في الآخرة. و اختصاص الدولة بوصفها سلطة مدنية يقتصر على حماية الخيرات المدنية، أما ترامي سلطتها إلى الخيرات الدينية فلن ينجم عنه سوى الحرب و تقويض السلم المدني.
إذن، يرى لوك أن مشروعية الدولة مستمدة من وظيفتها و غايتها و ليس من قوة خارجية مثل الحق الإلهي أو غير ذلك. أما وظائفها فهي من جهة الحفاظ على الحياة و الحرية و سلامة البدن و منع التعذيب أو ما يسميه بالخيرات المدنية، و من جهة أخرى الحفاظ على الممتلكات بجميع أنواعها أو ما يسميه بالخيرات الخارجية. لكن أهم شيء أضافه لوك هو كون الدولة لا تملك حق التدخل في الآراء و المعتقدات الشخصية و هو ما يعتبر أساسا من أسس الحرية.
2. سبينـــوزا: غاية الدولة هي الحرية:" إن هدف الدولة في الحقيقة هو الحرية". إن الغاية من تأسيس الدولة في نظر سبينوزا هي تحرير الإنسان من العنف و الخوف، و حماية حرية الأفراد و سلامتهم و فسح المجال أمام طاقاتهم و قدراتهم البدنية و العقلية و الروحية. إن تحقيق هذه الأهداف(الأمن،الحرية...) يقتضي تنازل الفرد عن حقه في أن يسلك كما يشاء. و مقابل هذا التنازل يتمتع الأفراد بحرية كاملة في التعبير عن آرائهم و أفكارهم مع بقائهم متمتعين بهذا الحق مادام تفكيرهم قائما على مبادئ العقل و احترام الآخرين و أيضا مادام الفرد لم يقم بأي فعل من شأنه إلحاق الضرر بالدولة.
إذن، إن الغاية من تأسيس الدولة هي تحقيق الحرية للأفراد و الاعتراف بهم كذوات مسؤولة و عاقلة و قادرة على التفكير و بالتالي تمكين كل مواطن من الحفاظ على حقه الطبيعي في الوجود باعتباره وجودا حرا. تكمن مشروعية الدولة في الوظائف التي تقوم بها و المتمثلة في: ضمان وحدة الجماعة، حماية الحريات و ضمان الأمن، و هذا يعني أنها لا تهدف إلى السيطرة على الناس أو إرهابهم أو إفساد حياتهم بالخوف و التهديد. إن هدفها هو تحرير الفرد من كل خوف ناتج عن حالة العنف و الظلم و التوحش.
3.هيـغــل: موقف التصور الكلياني: الدولة غاية ذاتها: الدولة تجسيد للعقل: ينطلق هيغل من رفض التصور التعاقدي السابق، لكونه يجعل غاية الدولة تقف في حدود تحقيق الأمن و الحرية و الملكية الخاصة... فالدولة بهذا المعنى ستكون مجرد وسيلة لتحقيق أهداف خارجية عنها، أهداف يعتبرها هيغل خاصة بالمجتمع المدني، كمجال لإشباع حاجات الأفراد اليومية و الإنتاج الاقتصادي... في حين أن الدولة تمثل غاية في ذاتها بوصفها تجسيدا للمطلق و ككيان ينتزع الفرد من الخصوصية و الأنانية ليسمو به إلى مستوى الكونية و يحقق اكتماله الأخلاقي و ذلك لأنها هي الجوهر الأخلاقي و قد وصل إلى الوعي بذاته.
نخلص إلى أن هيغل يقدم الدولة على الفرد و يجعلها سابقة على الأسرة و المجتمع المدني لأن فكرتها محتوية لهذين العنصرين معا: ففي حضن الدولة فقط تستطيع الأسرة أن تتحول إلى مجتمع مدني.
و يبدو أن الماركسية لم ترث عن الهيغيلية منهجها الدياليكتيكي فحسب، بل تصورها الكلياني للدولة باسم أولوية الجماعة على الفرد، و انتهت إلى صهر هذا الأخير و إلغائه لصالح الدولة و أجهزتها البيروقراطية و البوليسية: لقد غدت الدولة فعلا غاية في ذاتها و هذا ما يتجلى واضحا في بعض الأشكال الواقعية للدول في الكثير من البلدان الاشتراكية و دول العالم الثالث.
إذن، يعارض هيغل اتجاه الفلسفة السياسية الحديثة منذ هوبز مرورا بلوك و هيوم و روسو في تحليل الحياة السياسية إلى أدق تفاصيلها و أصغر مكوناتها و الرجوع إلى الأفراد باعتبارهم الذرات المكونة لأن نظام سياسي، و هو بذلك يقف ضد النزعة الفردية(individualisme) و الذرية(atomisme) السائدة لدى الليبرالية. و يرفض هيغل بدء نظريات الحق الطبيعي و العقد الاجتماعي بالفرد بناء على أن وعي الفرد بذاته باعتباره فردا لا يمكن أن يكون معطى أوليا مبدئيا، بل هو نتيجة عملية تمايز و اختلاف عن البيئة الأصلية للفرد، عملية تتصف بأنها تاريخية و اجتماعية.
يتضح من خلال ما تقدم أن هناك تعارضا في المواقف الفلسفية حول مشروعية الدولة، و هذا يعكس بجلاء الطابع التاريخي و المركب للمفهوم من جهة أولى، و الارتباط الجدلي بين الإيديولوجي و السياسي و الاجتماعي من جهة ثانية.
المحور الثاني: طبيعة السلطة السياسية: تعتبر السلطة السياسية شكلا من أشكال التنظيمات التي تنظم حياتنا الاجتماعية و السياسية و ذلك بوسائل و طرق مختلفة و طبائع متعددة، فلا يمكن تصور حياة اجتماعية بدون وجود سلطة سياسية.
و بذلك يمكن القول إن السلطة محايثة للاجتماع البشري، و مادامت السلطة تقتضي الامتثال و الخضوع فإنها تحتاج دوما إلى تبرير و شرعنة، بما في ذلك سلطة الأب على أبنائه، هكذا يجد كل ذي سلطة نفسه مطالبا دائما بتبرير سلطته، و عندما تتخذ السلطة شكل دولة، فإنها تواجه بدورها سؤال التبرير و المشروعية.
1.مكيافلـــي: السياسة بما هي صراع: يعد مكيافلي من الأوائل الذين فكروا في إشكالية السلطة و طبيعتها داخل الدولة بعد أن تم استقلال الدولة الأوروبية عن سلطة الكنيسة، و هو ما يصطلح عليه بنموذج الدولة الحديثة التي أصبحت ترتبط بشخص الأمير و قدراته في استخدام كل الوسائل الممكنة المشروعة و غير المشروعة، القانونية و غير القانونية، بتحقيق الوحدة و إرساء القوانين.
فما يذهب إليه مكيافلي في كتابه الأمير، هو كيف يمكن للأمير أن حكم؟ و أن يحفظ حياته و حياة الناس معه داخل الدولة؟ فالدولة حسب مكيافلي غير منفصلة عن الأمير الذي يحكمها، فهما شيء واحد. لهذا نجد مكيافلي يقدم مجموعة من النصائح للأمير من أجل توطيد سلطته السياسية و ذلك عبر استغلال الفضائل الحميدة و الرذائل و توظيف الوسائل المتاحة و لكن شريطة ألا يفقد الأمير حب شعبه له لأنه يحتاج هذا الحب في وقت الشدائد، و هذا ما يجعل الأمير يتعامل وسط الناس بحيطة و حذر، حيث يرى مكيافلي أنه على الأمير أن يكون ثعلبا و أسدا في آن واحد. فكيف للحاكم أن يكون مثل ذلك؟
إن هذا الاعتبار يعني أن هناك طريقتين في ضبط الحكم، الطريقة الأولى و كما يشير إليها مكيافلي هي الطريقة القانونية و التي تستند إلى ما هو قانوني، أما الطريقة الثانية فهي طريقة القوة و التي من خلالها يستطيع الأمير إرهاب و تخويف الأعداء، لهذا على الأمير أن يعرف كيف يحكم، و كيف يتصرف اطلاقا من هاتين الطريقتين: فأن يكون ثعلبا معناه أن يعرف كيف يحمي نفسه من الوقوع في الفخاخ و أن يكون أسدا معناه أن يكون شديد القوة و الجهامة حتى يخيف الآخرين.
* فإلى أي حد يمكن القول معه أن السياسة هي نتاج الصراع و القوة؟
2. مونتسكيـــو: فصل السلط و استقلالها أساس الديمقراطية الحديثة: وضع مونتسكيو أسس الديمقراطية القائمة على فصل السلط كسبيل وحيد لتحقيق الحرية، و هي السلطات الثلاث المعروفة بالسلطة التشريعية و التنفيذية و القضائية، و منع احتكار سلطتين في يد واحدة لأن ذلك يقود إلى الديكتاتورية.
و قد جاء موقف مونتسكيو ضد موقف مكيافلي الذي أجاز للأمير استعمال جميع الوسائل من أجل السيطرة بما في ذلك القوة و العنف و الدهاء و المكر. و هو ما عبر عنه باستعمال أسلوب الحيوان، أي أسلوب الأسد و الثعلب. و لقد اشتهر بقولته المشهورة:"الغاية تبرر الوسيلة".
يذهب مونتسكيو في كتابه"روح القوانين" إلى التمييز بين ثلاث وظائف أساسية للدولة و هي: السلطة التشريعية، السلطة التنفيذية، السلطة القضائية.
فالأولى متمثلة في البرلمان و هي التي تشرع القوانين في المجتمع، أما الثانية فتتمثل في الحكومة و التي تقوم بتنفيذ تلك القوانين، كما تعمل أيضا على توفير شروط الأمن للمواطنين. أما النوع الثالث فيتجلى دوره في تطبيق تلك القوانين و ممارستها، و هذا النوع الأخير كما يقول مونتسكيو هو الكفيل بضمان الأمن و الحرية. لهذا يذهب مونتسكيو إلى الفصل بين هذه السلط الذي من أجله يتأتى تحقيق الأمن و الحرية و المساواة و أن تداخل هذه السلط قد يؤدي إلى الجور و الظلم و إهدار حقوق المواطنين و سلب حرياتهم. لذلك و جب استقلال كل من السلطة التشريعية و السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية بحيث لا يجوز لهذه الأخيرة أن تصدر أحكاما كما لا يجوز لها أن تعرقل الأحكام التي أصدرها القضاء أو الحكومة. و نفس الأمر بالنسبة للسلطة القضائية بألا تتدخل في اختصاصات السلطة التنفيذية و كذلك الأمر بالنسبة للسلطة القضائية مع السلطة التشريعية، بمعنى ألا يكون المشرع قاضيا، فهذا قد يؤدي إلى تعذر قيام العدالة و المساواة و التي قد تضيع معها كل القوانين و المراسيم من جهة، ثم الأحكام –التي من اختصاص القضاء- من جهة ثانية. بهذا وجب أن يستقل القضاء عن السلطة التشريعية حتى نتجنب الظلم و الطغيان كما يوضح مونتسكيو. و هكذا يحذر مونتسكيو من خطر تجمع السلط الثلاث في يد واحدة لأن كل شيء سيتعرض للضياع، و يسود الاستبداد و الطغيان و الظلم.
3. ألان توريـــن: النظام الديمقراطي و حماية حقوق الإنسان: أما ألان تورين فيعتقد أن السلطة السياسية ترتبط عضويا بقوة النظام الديمقراطي. هكذا يؤمن بأن قوة الديمقراطية رهينة باحترام الحقوق المدنية و الاجتماعية و الثقافية .. فالديمقراطية فهي النظام السياسي الوحيد الذي يسمح بتشكل الفاعلين الاجتماعيين ، و يتيح لهم فرص المشاركة الحرة. لهذا أصبحت الديمقراطية مضطرة لمحاربة الأنظمة العسكرية و المستبدة، علاوة على محاربة الأحزاب الكليانية، خصوصا و أن هناك من يستغل مفاهيم الديمقراطية إما لخلق أنظمة استبدادية أو للعمل على استنبات ممارسات اقتصادية فردانية تقوم على اقتصاد السوق و تدفع نحو تعفن الدولة.. ليستنتج ألان تورين، أن أساسيات النظام الديمقراطي يتمثل في الاعتراف بالحقوق الاجتماعية، و شرعية القيادات، و الشعور بالمواطنة.
إذن، يندرج تصوره هذا ضمن التصور السوسيولوجي المعاصر، الذي ينتقد طبيعة السلطة السياسية، إذ يعتبر أن مفهوم الديمقراطية لا يقف عند مستوى الشعارات التي تخفي وراءها نظما سياسية كليانية تتسم بالشمولية و القمع و التسلط و مصادرة حقوق الناس و إلغاء حريتهم. فالديمقراطية الحقيقية هي التي تتجرد من الشعارات الفضفاضة لتكريس سياستها لخدمة الحقوق الثقافية و المدنية و الاجتماعية للمواطنين.
إن الديمقراطية هي النظام السياسي الذي يسمح للقوى الفاعلة داخل المجتمع بالتكون و الممارسة الحرة، و لا وجود لهذه القوى إلا بوجود ثلاثة مبادئ، و هو ما عبر عنه في الممارسات السياسية التالية: 1. الاعتراف بالحقوق الأساسية و التي ينبغي احترامها. 2. الاعتراف بالتمثيلية الشرعية و السياسية للمواطنين. 3. الاعتراف بحقوق المواطنة التي هي تعبير عن الحقوق الاجتماعية.
المحور الثالث:الدولـة بين الحـق و العنـف: حينما نتحدث عن الدولة بين الحق و العنف، فإننا نثير بالضرورة إشكالية العلاقة بين الدولة كأجهزة و مؤسسات منظمة للمجتمع، و بين الأفراد الخاضعين لقوانينها. فإذا انبنت هذه العلاقة على احترام المبادئ الأخلاقية المتعارف عليها و القوانين المتعاقد عليها فإن ممارسة الدولة تكو في هذه الحالة ممارسة مشروعة تجعلنا نتحدث عن دولة الحق. أما إذا كانت هذه العلاقة مبنية على أسس غير أخلاقية و غير قانونية، فإنها ستكون مؤسسة على القوة و العنف و هاضمة للحقوق و الحريات الفردية و الجماعية.
* فما المقصود بمفهومي الحق و العنف؟
يحدد المعجم الفلسفي الحق باعتباره"ما لا يحيد عن قاعدة أخلاقية، و ما هو مشروع و قانوني في مقابل ما هو واقعي و فعلي". أما العنف فيمكن القول بأنه" اللجوء إلى القوة من أجل إخضاع أحد الناس ضد إرادته، و هو ممارسة القوة ضد القانون و الحق". هكذا يتبين أن الحق هو نقيض العنف، إذ أن الأول يمارس بإرادة الأفراد و يضمن لهم حرياتهم المشروعة، في حين أن الثاني يمارس ضد إرادتهم و يغتصب حرياتهم.
* كيف يمكن للدولة أن تمارس سلطتها ؟ * هل تتأسس هذه الممارسة على مبادئ الحق و القانون أم على القوة و العنف؟ ألا يتعارض العنف مع الحق و القانون؟
1. ماكس فيبـر: مشروعية العنف: يعبر كتاب"العالم و السياسي" لماكس فيبر عن إشكالية جدلية يحياها المجتمع المعاصر، بين تدخل العلم في شؤون المجتمع و محاولات تغييره نحو الأحسن و بين رؤية السياسي الذي يمارس نوعا من الهيمنة في إطار من المشروعية.
ينطلق عالم الاجتماع الفرنسي ماكس فيبر من أن الدولة لا يمكن تعريفها إلا بالوسيلة المميزة الخاصة بها، ألا و هي العنف الفيزيائي، بناء على مقولة تروتسكي، مفادها" كل دولة تبنى على القوة". أي أن الوسيلة المثلى للدولة هي العنف كضامن وحيد لهيمنة الدولة. فتبعا لهذا نجد الدولة تستمد سلطتها من القوة التي تمارسها بهدف بسط هيبتها و سيطرتها لأجل الحفاظ على النظام العام و الاستقرار الاجتماعي. و يصل الحد بماكس فيبر إلى القول بأنه إذا وجدت تجمعات بشرية لا تعرف العنف، فمعنى ذلك أنه لا يمكن الحديث عن وجود الدولة، كجهاز يحكم هذه التجمعات السياسية. فما سيبقى في حالة اختفاء العنف هو الفوضى بين مختلف مكونات البناء الاجتماعي، نظرا لاختفاء القوة العنيفة القادرة على إزالة هذه الفوضى. لذلك فالعلاقة بين الدولة و العنف هي علاقة حميمية جدا. حيث أن هذا العنف يعتبر حكرا على الدولة وحدها، و لا يسمح لأي جماعة أو فرد باللجوء إليه، إلا عندما تسمح الدولة بذلك. و هذا ما دفع فيبــر إلى وصفه ب " العنف المشروع"، و هو عنف تمارسه الدولة باسم القانون.
2. جاكليـن روس: دولة الحق و كرامة الفرد ضد العنف و التخويف: ترى جاكلين روس بأن دولة الحق هي واقع معيش، و ليست مدينة فاضلة، و هي ممارسة معقلنة لسلطة الدولة، و تسعى إلى تحقيق و بلورة الحريات العامة. لأن الدولة توجد في خدمة الفرد و ليس العكس. فالدولة إذن، " تحتل مرتبة بعد الإنسان لما أصبح يمثله من معيار أسمى". لكن ما هي دولة الحق؟ إنها دولة فيها حق و فيها قانون يخضعان معا إلى مبدأ احترام الشخص. و هي صيغة قانونية تضمن الحريات الفردية و تتمسك بالكرامة الإنسانية و ذلك ضد كل أنواع القوة و التخويف، و نبذ كل أنواع الإرهاب و العنف.
إن سلطة دولة الحق تتخذ ملامح ثلاثة:1. القانون، 2.الحق، 3. الفصل بين السلط، و هي جميعها تضمن احترام الشخص و تسهر على تأسيس هذا الاحترام. فلا يمكن أن يوجد حق دون قانون عادل و صريح. كما أن إحقاق الحق مستحيل دون الفصل بين السلط، كما رأينا مع مونتسكيو.
3. بول ريكــور: الدولة و وظائفها العقلانية و التاريخية: لكن بول ريكور يرفض اختزال الدولة ي ممارستها للعنف المشروع، رغم احتكارها له. و بالمقابل، يقترح مقاربتها انطلاقا من السلطة. إن ما يميز دولة الحق هو طابع العقلانية التي تتجلى في أدائها لوظيفة التربية، و هو ما يميز الدولة لحديثة، و تقوم بهذه الوظيفة بواسطة مجموعة من الوسائل: المدرسة، الجامعة، وسائل الإعلام...، و هي أدوات تحفظ تقاليد الجماعة و تضمن استمراريتها و استقلاليتها. أما الوظيفة الثانية، هي وظيفة تاريخية التي تتجلى في ممارسة السلطة.
إذن، فرغم أن الدولة تمتاز بالعنف المشروع إلا أنه لا ينبغي تعريفها انطلاقا من العنف، و إنما من السلطة. فالدولة فهي تركيب عقلاني و تاريخي، إنها تنطوي في ذاتها على مفاهيم العنف و القوة و السلطة و مفاهيم الحق و الحرية و القانون.
إذن، إن حقيقة الدولة تتجلى في قدرتها على الجمع بين ما و عقلاني و اقتصادي، فالعقلانية تجعل الدولة تعتمد على نوعين من المؤسسات: مؤسسات تكوينية و أخرى زجرية: ذلك ما يعني أن الدولة تلعب دور المربي من خلال مؤسساتها، إلا أنها تعتمد كذلك على القوة و العنف و بذلك تضطر اللجوء إلى إكراهات زجرية.





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://baitalhikma.forumactif.com
 
الدولــــــــة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
Baitalhikma Bezzanou :: الثانية باك-
انتقل الى: